Ru En

لماذا لم تصبح ليبيا بعد دولة فاشلة؟

٠٨ يوليو ٢٠١٩

إن فريق التحرير التابع لموقع مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي" ينشر مقالا لـ  جيورجي لوكيانوف، المدرس في قسم السياسات والإدارة في الجامعة الوطنية للأبحاث "المدرسة العليا للإقتصاد"، والباحث في مركز الأبحاث العربية والإسلامية في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسية. حيث أن الكاتب يناقش فيه ما إذا أصبحت ليبيا هي نتيجة المواجهة والصراع الأهلي الذي يستمر لأكثر من عام، وهل تحولت إلى دولة فاشلة (failed state).


***

 

وبسبب فشل مؤتمر السلام الوطني الذي كان بمبادرة طرحتها الأمم المتحدة وتزامن مع بدء الهجوم الذي شنه (الجيش الوطني الليبي) تحت قيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس في بداية شهر نيسان – أبريل من العام 2019 ميلادية، فإن الدولة الواقعة شمالي أفريقيا دخلت مرة أخرى في الفوضى التي لم تنتهي منذ خمس سنوات والتي تعتبر بأنها حرب أهلية غير معلنة. حيث أنه في خريف عام 2018 ميلادية كانت شوارع العاصمة واحدة من أغنى الدول في شمال إفريقيا، وقد تحولت إلى ساحة معركة بين الجماعات المحلية من الميليشيات المسلحة، والأن في التكتل الثلاثي وعلى النهج المتبع في ذلك، وفي الأونة الأخيرة، الأعداء الذين لا يمكن التوحيد فيما بينهم لمواجهة المجموعات المسلحة شبه المنتظمة للجيش الوطني الليبي. كما وأن هذه المجموعات المذكورة هي من وحدات النخبة، التي تم إعدادها وتسليحها بدعم ومساندة مباشرة من دول كمصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية وفرنسا، وكذلك العديد من الميليشيات القبلية من مناطق الشرق، وميلشيات منفصلة من الشرطة في الشمال الغربي، ومرتزقة من تشاد ومنطقة دارفور السودانية. وبدوره، فإن قوات طرابلس، المناهضة لخليفة حفتر والجيش الوطني الليبي إتحدوا تحت رعاية حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، حيث حصلوا على مساعدات عسكرية ومالية من تركيا وقطر، فضلا عن الدعم السياسي من إيطاليا والأمم المتحدة ممثلا بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.

 

لماذا لم تصبح ليبيا بعد دولة فاشلة؟

الجنرال  خليفة حفتر / Creative Commons


ونتيجة لذلك، فقد إندلع هذا الصراع بقوة جديدة، وكما إتضح، فإنه تم تدويله أقصى حدد ممكن. وفي شهر نيسان – أبريل وصل مستوى خسارة كل من الطرفين إلى معدل غير مسبوق بالنسبة لليبيا مقارنة بعدد سكانها ومؤشراتها النسبية وصلت الخسائر إلى أكثر من 600  قتيل من جهة المقاتلين والمدنيين. ولم تكن درجة المشاركة المباشرة للممولين الأجانب في المواجهات الجارية منذ عام 2011 ميلادية، عندما تم الإطاحة بنظام معمر القذافي نتيجة للتدخل العسكري المباشر من "أصدقاء ليبيا". وعلى الرغم من إستمرار الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة منذ عام 2011 ميلادية على توريد الاسلحة والمعدات العسكرية ، فإن الشحنات العسكرية يتواصل توريدها من تركيا إلى ميناء مصراتة إلى حكومة الوفاق الوطني، بينما تصل مثل هذه الشحنات والمعدات العسكرية إلى بنغازي للجيش الوطني الليبي من مصر والإمارات العربية المتحدة.

 


وكل هذا يشير إلى مجالات كثيرة تشهد على حقيقة أن أطراف الصراع الليبي الداخلي وحلفاؤهم الأجانب يشعرون بخيبة أمل كبيرة من القنوات والأليات القائمة على تسوية الصراع سلميا من خلال الدبلوماسية. كما وأن المبادرات ومشاريع السلام التي إقترحتها كل من روما وباريس لتسوية الصراع، حيث تركز في المقام الأول على مشاكل الهجرة والإرهاب، وبالتالي، فإن لهم علاقة غير مباشرة بليبيا ذاتها وبتطلعات الشعب الليبي. ولا يوجد الكثير من الإغراءات لليبيين ومحاولات بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا لكي تلعب دورا مستقلا ووسيطا فاعلا، وفي الوقت نفسه، تعتمد إعتمادا كليا على اللاعبين الرئيسيين سواء في داخل ليبيا، أو خارجها.

 


لماذا لم تصبح ليبيا بعد دولة فاشلة؟أصبح ليبيا نقطة عبور للأفارقة، الذين يحاولون الحصول على اللجوء في أوروبا / Creative Commons

 

على الرغم من كلفتها العالية ونفقاتها في هذه الظروف، تبدو الأدوات العسكرية أكثر جاذبية وفعالية أكبر للدفاع عن المصالح وحل المشاكل في ليبيا الحديثة، حيث كانت الحرب منذ فترة طويلة هي المصدر الرئيسي للشرعية السياسية، والرفاهية الإقتصادية لجميع اللاعبين الموجودين فيها.

 

في قائمة البلدان وفقا لتصنيف عدم قدرة الدول (مؤشرات الدول الهشة) فإن ليبيا إحتلت في عام 2019 ميلادية المرتبة 28 وهي مدرجة في مجموعة الدول الخطيرة. ولقد تدهور متوسط المؤشرات بشكل كبير على مدى السنوات الخمس الماضية: إذ كان المجموع الكلي للمؤشر في عام 2019 ميلادية يقدر بـ  92,2 مقابل 95,2 في عام 2014 ميلادية، وخلال هذه الفترة إنتقلت البلاد من المرتبة 28 من أصل 41. وعلى الرغم من تعرض أي مؤشر وتصنيفه، فإن الديناميات السلبية تبدو سلبيه على الوجه.

 


ومع ذلك، لماذا يصعب وصف ليبيا بأنها دولة فاشلة، يقصد بها دولة فاشلة وغير قائمة، ومقارنة الوضع فيها مع الأوضاع في الصومال غير صحيح؟

 


إن ليبيا – هي بلد غني. حيث لا يزال النفط فيها هو السلعة الرئيسية والمصدرة فقط، وبالتالي، فإنه يعد مصدر الدخل الرئيسي لكل من الدولة وكذلك لللاعبين الرئيسيين في المواجهات الليبية الداخلية. ولكن يوجد الكثير منها وأسعارها مرتفعة بما يكفي لتغطية جميع نفقات وتكاليف إعادة بناء البلاد في أقرب وقت ممكن. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه قد تم إنشاء في وقت مبكر من عصر النمو الإقتصادي السريع وتحديث ليس فقط في داخل البلاد فحسب، وإنما أيضا من قبل المغتربين للمزارع العادية مقارنة بتجميع الموارد المالية الكبيرة نسبيا، والقاعدة المادية وغيرها من الموارد ذات الفائدة. وبإستيرادها لأكثر من 90 % من المواد الغذائية الإستهلاكية، والنمو والإنتاج الذي لا يسمح به في ليبيا بحد ذاته بسبب الظروف الجغرافية والمناخية الصعبة، فإنه يكون لدى الدول الفرصة لدفع هذه التكاليف على حساب إيراداتها من مبيعات النفط. وحتى في ظروف وسنوات الحرب الطويلة، فإن السكان الليبيين وليبيا كدولة لا يزالون أغنياء بما فيه الكفاية ليست سيئة كما يبدو وهي غير كافية لتكرار تجربة الصومال الحزينة.

 


لماذا لم تصبح ليبيا بعد دولة فاشلة؟طرابلس قبل الحرب، عام 2009 ميلادية / Public Domain

 

ومن أجل دخول النفط الليبي إلى الأسواق، ولكي تكون هناك أرباح من بيعه، لا بد من أن يستمر في التدفق، يجب أن يكون هناك بنية أساسية موحدة تم إنشاؤها منذ أيام حكم القذافي والتي تربط بين جميع الأماكن التي تسمى "الفسيفساء الليبية" بأكملها. حيث أن الشمال – هو الموانئ التي يتم من خلالها توفير تدفق النفط إلى الأسواق العالمية؛ والغرب – هو المنطقة الأكثر كثافة سكانية، مما يوفر بدوره القوة العاملة والماهرة للبلاد بأسرها؛ أما الجنوب الشرقي – هو الأغنى بالأماكن النفطية وهي أكثرها تطورا؛ أما فيما يخص الجنوب الغربي – فهو عبارة عن المياه، والمصادر المائية تحت الأرض، والتي توفر للناس ولإقتصاد البلاد الحياة بأكملها. كما أن صناعات النفط الليبية ليست مجرد مجموع من الحقول والموانئ المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، بل هي نظام إنتاج ونقل موحد يعمل ككل بكفاءة كبيرة وبكثير من أقسامه.

 

 

لماذا لم تصبح ليبيا بعد دولة فاشلة؟إحتجاج النساء الليبيات على خطط تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق
ذاتية الحكم / Creative Commons

 


وبحكم موقعها الجغرافي، تعد ليبيا واحدة من "البوابات الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى إفريقيا". واليوم، فإنه يتم إستخدام "الممر الليبي" بشكل أساسي من قبل المهاجرين من إفريقيا في جنوب الصحراء إلى أوروبا بحثا عن سماء هادئة فوق رؤوسهم وفرص التنمية التي حرموا منها في أوطانهم، ولكنه في المستقبل سيكون هذا الطريق قادرا على العمل في كلا الإتجاهين والذي سيعمل كقناة لنقل البضائع وتقديم الخدمات لتحقيق أرباح كبيرة.

 

وأخيرا، وعلى الرغم من سنوات الصراع، فقد أظهر الشعب الليبي أن الأمة الليبية وبالرغم من كونها أمة شابة وهشة ومجزأة ومنقسمة، فهي لا تزال قائمة. كما ويتضح هذا من خلال عدة ألاف من المنظمات غير الحكومية، التي لا شك أن العديد منها لم يتبلور بعد، ولكن عشرات أو حتى المئات من تلك الجمعيات التي تعمل بكامل طاقاتها لتؤكد وجود مجتمع مدني في دولة بعيدة عن ولادة الجنين. كما وتتعايش المؤسسات الإجتماعية التقليدية، كالقبائل، مع مؤسسات العصر الحديث، والتي تجد الكثير منها الدعم بين سكان المدن الذين يشكلون نسبة أكثر من 90 % من سكان البلاد. ومقارنة بعدد السكان القليل فيها، فإن النسبة المئوية لجيل الشباب لم يسبق له مثيل في واحدة من أكبر البلدان الإفريقية في ظروف العبور التي إستمرت لسنوات طويلة، حيث يحاولون فيها البحث عن الإجماع الوطني. وغالبا ما يصبح الليبيون رهينة لمصالح الوسطاء الأجانب، الذين بدورهم يبحثون عن مصالحهم الوطنية الخاصة بهم، والتي من أجل تنفيذها يتمتعون بقوتهم وبمواردهم الخاصة بهم، وببنيتهم التحية الأساسية.

 

مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي"