Ru En

الإسلام في افريقيا: الوضع الراهن

٠٧ نوفمبر ٢٠٢٣

تتكون القارة الافريقية من 54 دولة ذات سيادة، نصفها دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، أي أنها دول إسلامية رسميا . اما جمهورية افريقيا الوسطى تأمل في العضوية لكنها دولة كعضو مراقب في المنظمة. كما أن هناك منظمتين إقليميتين أخريين تؤثران على الوضع في البلدان الإسلامية في افريقيا: جامعة الدول العربية (التي تضم 22 دولة) واتحاد المغرب العربي الذي يضم أيضا في عضويته كل من: الجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب وتونس.


المذهب السني هو المذهب الرئيسي المنتشر بين السكان المسلمين في أفريقيا الحديثة. ويمثل المذهب السني جميع المذاهب الشرعية الأربعة. يلعب التصوف الإسلامي في افريقيا، دورًا مهمًا بين المسلمين. لم تقدم الصوفية طريقًا للخلاص الروحي والتي لا تستطيع الديانات العرقية الافريقية توفيره فحسب، بل قدمت أيضًا نوعًا جديدًا من الروابط الاجتماعية القائمة على أخلاقيات الأخوة والدعم الاجتماعي المتبادل داخل المجتمع المسلم.


أدت الفتوحات العربية في القرنين السابع والثامن إلى انتشار الإسلام في شمال افريقيا. ومنذ القرن التاسع، ومن الشمال (مصر والمغرب) والشرق (الجزيرة العربية)، بدأ الدين يتغلغل إلى السودان والقرن الافريقي، ومن هناك اندفع إلى جنوب القارة وشرقها. وبحلول القرن الثاني عشر، انتشر الإسلام في جزيرة زنجبار وموز- مبيق. وبالمناسبة، فإن الدولة الأخيرة حصلت على اسمها نسبة إلى الداعية الإسلامي الشيخ موسى بن مبيقي.


ظهر الإسلام في غرب افريقيا حوالي القرن الحادي عشر - وتشير المصادر الجغرافية العربية في هذا الوقت إلى اعتناق سكان غانا الإسلام. وفي جنوب افريقيا، أصبح الدين معروفًا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تقريبًا بفضل الثقافة السواحلية. منذ القرن السابع عشر، بدأت شركة الهند الشرقية الهولندية في جلب الماليزيين، المهاجرين من إندونيسيا، إلى منطقة كيب، ومع ظهورهم ترسخ الإسلام في الطرف الجنوبي من القارة إلى جانب المجتمعات السواحيلية الإسلامية. والإسلام معروف بالفعل هناك، بفضل التأثير القوي من قبل المهاجرين من اليمن وعمان. في القرنين الثامن عشر والعشرين، استمر الإسلام في الانتشار في المناطق الداخلية من افريقيا - في شمال نيجيريا وجمهورية افريقيا الوسطى.


أدى سقوط الاتحاد السوفييتي، وانهيار الاشتراكية العالمية، إلى تعزيز أيديولوجية التفوق العالمي للحضارة الغربية التي نشأت في القرن التاسع عشر. ولكن بالفعل في نهاية القرن العشرين، واجه أنصار هذه الأيديولوجية عقبات أثارت الشكوك حول إمكانية الهيمنة غير المشروطة للقيم الغربية في جميع أنحاء العالم، على أساس المُثُل العلمانية ومبادئ الديمقراطية الليبرالية، التي اعاقت نفوذها عملية إحياء الديانات العالمية، وخاصة المسيحية والإسلام - بحلول بداية القرن الحادي والعشرين، زادت الأديان عدد أتباعها في العالم، وخاصة في جنوب شرق آسيا وافريقيا.


إن الإختيار الأفارقة لدينهم، وفي المقام الأول سكان ما يسمى بإاريقيا الاستوائية، والمعروفة أيضًا بافريقيا السوداء (جزء من القارة يقع جنوب الصحراء الكبرى ويسكنه في الغالب شعوب زنجية)، قد اكتسب أسلوبا أكثر تنظيمًا وفعالية ذات توجه اجتماعي. تم توحيد الشعوب المحلية، على أساس القيم الدينية المشتركة وقواعد السلوك في ظروف الاضطرابات الشديدة والطويلة في نهاية القرن العشرين: ظهور العنف الذي لايمكن التحكم به والفقر وتراجع الأخلاق التقليدية.


تم تسهيل تعزيز الاتجاهات في تطوير الوعي الذاتي الديني الإسلامي من خلال تغلغل أفكار الأصولية الإسلامية في افريقيا الاستوائية، والذي بدأ في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، والذي طرح أنصاره مطلب العودة إلى المبادئ الأصلية للدين الإسلامي وتطهيره من الرواسب الثقافية اللاحقة وخاصة الافريقية. وقد تكثف تأثير الأصولية الإسلامية نتيجة لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان الافريقية وتطور المعلومات العالمية والشبكات الاجتماعية.


يرتبط الإحياء الديني في بلدان افريقيا الاستوائية ارتباطًا وثيقًا بحركات التجديد في القارات الأخرى. ولا يمكن تصور تعزيز نفوذ الإسلام دون الصعود المنظم للأصولية الإسلامية والإسلام السياسي في البلدان العربية. لقد دفعت أحداث الربيع العربي في الفترة 2011-2012 العالم العربي الإسلامي برمته - عالم الإسلام الشرعي - إلى حالة انتقالية، مما يعني ضمناً أزمة تنمية. لقد أحدثت الأحداث السياسية الثورية تغييرات في الوعي العام والشخصي، مما يتطلب إعادة التفكير في الجوانب الأساسية للقيم الإسلامية والهوية الإسلامية والوعي الذاتي.


أدت الأزمة السياسية الحادة إلى السقوط السريع للأنظمة السياسية في دول شمال افريقيا: تونس وليبيا ومصر، كما اجتاحت الاضطرابات الجزائر. وفي المغرب وموريتانيا، لم تكن الاحتجاجات واسعة النطاق، لكنها دفعت الدوائر الحاكمة نحو الإصلاحات. وفي عام 2011، حدث انفصال "سلمي" (بعد ما يقرب من أربعين عاما من الحرب الأهلية) بين السودان العربي المسلم وجنوب السودان المسيحي الافريقي، وبدأت عملية مضنية لتوحيد الصومال، الذي انهار في أوائل التسعينيات.


والحقيقة هي أنه يتعين على الدول الإسلامية عاجلاً أم آجلاً أن تحل مسألة استعادة هيئات إدارة الدولة، والتي ليس لدى النظرية الإسلامية الحديثة نماذج جاهزة لها. إن بؤرة التناقضات في المجتمع الإسلامي العالمي، الناجمة عن أزمة التنمية، تركزت في البداية في مجال مكافحة الاستعمار. في القرن الحادي والعشرين، حدث تحول في المواجهة داخل المجتمع الإسلامي نفسه، مما يتطلب تغييرات في شكل السلطة. وفي تلك البلدان الإسلامية، حيث تقاوم السلطات الرسمية بشكل فعال التطرف المناهض للدولة، تتم عملية إعادة هيكلة المجتمع بهدوء، دون أن تكون مصحوبة بمواجهة مسلحة.


وتظهر صورة مختلفة في معظم الدول الإسلامية في افريقيا الاستوائية، حيث أصبحت هياكل السلطة غير الفعّالة، إلى جانب النخبة الدينية الضعيفة التنظيم، فضلاً عن السكان الذين يستمرون في اعتناق معتقدات ما قبل الإسلام، عاجزة في مواجهة هجمة الأصوليين المصممين. تؤدي الصراعات المسلحة إلى توسع شبكة المنظمات الإرهابية التي تعمل تحت شعارات إسلامية، وتشكل البنية القبلية للمجتمع الأفريقي الأساس لتجديد صفوف المتطرفين.


الإسلام في افريقيا ليس ثابتا، فهو في تغير مستمر تحت تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن الاعتراف بحقيقة تزايد التناقضات الدينية في المنطقة الاستوائية من القارة، يعد خطوة مهمة نحو الاستجابة المناسبة لهذه الظاهرة في العالم الحديث وعواقبها المتنوعة. ولسوء الحظ، فإن الاعتراف بالمشكلة غالباً ما يتحول إلى ذريعة للضغط الاستعماري الجديد من الخارج. ومن المهم أن نشير إلى أن الوضع الحالي ليس ظاهرة افريقية حصرا، بل هو أحد مظاهر الزيادة العالمية في أهمية العامل الديني.

 

 

مجموعة الرؤية الإستراتجية "روسيا -  العالم الإسلامي"
Photo: Kyle Glenn/Unsplash