Ru En

الرأس مال ذو الضمير

٢٦ مارس

تبين أن المخاوف الأولية بشأن قلة عدد المشاركين في تجربة التمويل الإسلامي في أربع مناطق روسية - تتارستان، والشيشان، وباشكورتوستان، وداغستان - غير موفقة، ولم تكن في محلها. واليوم، يتزايد عدد المشاركين، وقد تم تمديد المشروع نفسه حتى عام 2028. ويُعزى إدخال التمويل التشاركي في روسيا إلى طلب السكان المسلمين والبحث عن مصادر جديدة لرأس المال في ظل ضغوط العقوبات. علاوة على ذلك، يتمتع هذا القطاع المالي بإمكانات اجتماعية هامة، كما يتضح جليًا من تاريخ بنك "ميت-غمر".
وقد أصبحت البنوك الإسلامية ظاهرة بارزة في عالم التمويل العالمي خلال نصف القرن الماضي. وعلى عكس المؤسسات المالية التقليدية، تخضع أنشطتها لأحكام الشريعة الإسلامية: تحريم الربا، والمضاربة، والقطاعات "المحرمة"، بالإضافة إلى إلزامية تقاسم المخاطر، وتقديم ضمانات للمعاملات بأصول حقيقية. وقد بُذلت محاولات مبكرة في مجال الصيرفة الإسلامية في باكستان وماليزيا في منتصف القرن العشرين، ولكن يُعتبر بنك دبي الإسلامي، الذي بدأ عملياته في سبعينيات القرن الماضي، أول مؤسسة من نوعها في العالم. تحتل بنوك الادخار في بلدة "ميت- غمـر" المصرية الصغيرة مكانةً مميزة بين رواد هذا المجال.


بعد تخرجه من جامعة القاهرة، دافع أحمد النجار، وهو مصري الأصل، عن أطروحته حول الاستثمارات في مدينة كولونيا الألمانية. وقد ألهمه عمله في "بنك الادخار المحلي" الواقع في في البلدة. كان هدفه هو تطبيق هذه التجربة على واقع الريف المصري، حيث كانت أفقر شرائح المجتمع - الفلاحون والحرفيون والطبقة العاملة - محرومة من الخدمات المصرفية. لم تكن العقبات الرئيسية تقتصر على الفقر وانعدام الضمانات فحسب، بل شملت أيضًا المعتقدات الدينية التي تحظر الربا على القروض. وسرعان ما بدأ فرع "ميت-غمر للادخار" عملياته في 25 يوليو 1963.


إلى جانب التكامل المالي، سعى النجار إلى دعم رواد الأعمال الناشئين وغرس ثقافة الادخار. كان المشروع ثوريًا: فقد كان أول مؤسسة تمويل أصغر تركز على القضايا الاجتماعية وتستجيب للحساسيات الثقافية المصرية. شدد النجار بوعي على أهمية الادخار لتغيير السلوك الاقتصادي للأفراد. في بيئة سادها التشاؤم بسبب استحالة التخطيط طويل الأجل، سعى إلى غرس المسؤولية الفردية عن مصير الفرد. ووفقًا للخبير الاقتصادي، فإن عادة الادخار "وسيلة لتشكيل الشخصية المسلمة". وكانت إحدى العقبات الجدية هي عادة الاستهلاك التفاخري - كحفلات الزفاف الباهظة على سبيل المثال - التي شجعت الناس على الإنفاق بدلًا من الادخار.

 

استندت بنوك الادخار إلى أربعة مبادئ أساسية:
الحصر المحلي للإدخار (البيئة المحلية): حيث وجهت الفروع الأموال نحو تنمية مجتمعاتها المحلية - حيث يعيش المودعون ويعملون.


التوسيع العمومي للإدخار: فتح البنك أبوابه للجميع، مقدمًا ليس فقط حسابات التوفير العادية، بل أيضًا شراكات استثمارية وحسابات الزكاة، وهي فريضة مقدسة على كل مسلم. والأهم من ذلك، أنه ألغى الربا تمامًا، وهو أمر محرم في الإسلام. وبدلًا من الربا، قدم قروضًا بدون فوائد وتوزيعًا عادلًا للأرباح. وأخيرًا، تتمثل مهمتها الاجتماعية في أن البنك تأسس كمؤسسة تنموية شعبية، يقودها المجتمعات المحلية لا الدولة. وكان يُشترط على الموظفين ليس فقط فهم الشؤون المالية، بل أيضًا فهم دورهم الاجتماعي.


وكما ذُكر سابقًا، رأى النجار في الادخار وسيلةً لبناء شخصية المسلم، وغرس الصفات التي يقتضيها الإسلام: الاعتدال، والحكمة، وبعد النظر، والقدرة على التخطيط للمستقبل، والقدرة على إدارة الموارد بحكمة. ووفقًا للخبير الاقتصادي، كما هو موضح في مؤلفاته، فإن التركيز على الادخار يُعدّ، في جوهره، أساسًا متينًا لبناء مجتمع إسلامي. فعندما يصبح هذا السلوك عادةً وينتشر بين الناس، يزداد المجتمع المسلم قوةً ويقلّ عدد المحتاجين.


وتظهر أولى بوادر تجربة ذات توجه اجتماعي في التمويل الإسلامي في روسيا. فعلى سبيل المثال، لا تقتصر بطاقات الخصم الحلال الصادرة عن بعض البنوك الروسية الكبرى على استبعاد المعاملات المالية المحرمة فحسب، بل تقيّد أيضًا أي معاملات في المجالات التي تُعتبر محرمة شرعًا. وهذا يعني أن حاملي هذه الحسابات لن يتمكنوا من شراء الكحول أو المراهنة. من الجدير بالذكر أنه في ديسمبر 2025، خلال افتتاح أول مكتب تمثيلي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في رابطة الدول المستقلة بمدينة قازان، أُشير إلى أن المذهب الأرثوذكسي يُحرّم أيضاً الإقراض الربوي، مما يُظهر مدى تقارب التقاليد الروسية.


وقد تحوّلت بنوك الادخار في "ميت غمر" إلى مؤسسة مالية حقيقية في غضون ثلاث سنوات ونصف فقط، حيث ارتفع عدد المودعين فيها بشكلٍ ملحوظ من 17,500 إلى 251,000. ويكمن سرّ هذه النتائج في أمرٍ بسيط: فقد سدّد الناس قروضهم ليس خوفاً من فقدان ضماناتهم، بل لأنهم يعيشون في مجتمع متماسك يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً.


كانوا على دراية. في مثل هذه البيئة، كان الاحتيال على بنك يعني الاحتيال على أنفسهم. لا تزال هذه التجربة، التي تجسدت فيها الإنسانية في رأس المال، ذات صلة حتى اليوم، إذ يمكنها أن تلهم الباحثين عن صيغ للتمويل الأخلاقي والاجتماعي الحقيقي.


يرى المستشرق الروسي رينات بيكين نمطًا مهمًا في قصة بنك "ميت غمر": لا يزدهر التمويل الإسلامي إلا بوجود إرادة سياسية. ويعتمد النجاح هنا على التزام الحكومة أكثر بكثير من اعتماده على الجوانب الاقتصادية البحتة. في روسيا، تأكد هذا المنطق عمليًا: لم تبدأ تجربة الصيرفة الإسلامية فحسب، بل حظيت بدعم تشريعي ومُددت حتى عام 2028. التمويل التشاركي له مستقبل في بلادنا، مثل بنك "ميت - غمر" في وقتها، وستُسجل هذه المرحلة الروسية في تاريخ التمويل الأخلاقي.

 

 

مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"
صورة: ناتانان كانشانابرات/بيكساباي