يعتزم مهرجان قازان السينمائي الدولي "ألمنبر الذهبي" في خريف عام 2026، عرض الفيلم الروائي "المعلم"، المُكرّس لحياة ومسيرة الفقيه، المربي التتري البارز في القرن التاسع عشر شهاب الدين المرجاني . وإلى جانب هذه الشخصية المهمة، يبرز اسم عبد القيوم الناصري، الباحث والمربي والكاتب التتري المتميز، الذي تجسدت صورته أيضاً في المسرح والسينما.
تشير غولنارا زاماليتدينوفا، الباحثة في جامعة قازان الفيدرالية، الى ان عبدالقيوم الناصري، كان في حياته شخصية مثيرة للجدل، وكانت نظرة المجتمع التتاري له متباينة. فقد أثارت أنشطته التعليمية، التي هدفت إلى تعزيز الروابط مع الثقافة والعلوم الروسية، ودراسة اللغة الروسية، والتدريس في المدارس الروسية التتارية، معارضة شديدة من الأوساط المحافظة. هذه الازدواجية في النظرة - كونه ناصحاً مثقفاً في نظر البعض، ومرتدًا في نظر آخرين - تتجلى ببراعة في الثنائية التاريخية "العكارة. المهاجرون" للكاتب محمود غالياو.
حدث تحول جذري في النظرة خلال الحقبة السوفييتية. فقد أُعيد تأهيل الناصري ودمجه في النموذج الأيديولوجي كمعلم تقدمي ومناضل ضد النظام القيصري. بُنيت مسرحية "عبد القيوم الناصري"، التي عُرضت عام 1945 على مسرح كمال عشية الذكرى المئوية والعشرين لميلاد العالم، من إخراج حسين أورازيكوف، على نقيض واضح: الناصري والشعب في مواجهة الأغنياء والسلطات.
سعى المخرج من خلال رؤيته إلى تصوير البطل كـ "إنسان عادي"، بهشاشته الجسدية وبساطة أسلوب حياته. غرفته شبه السفلية، المكتظة بالكتب والمخطوطات، والتي تضم مجسماً للكرة الأرضية ومنضدة نجار، خلقت صورةً متعددة الأوجه لعالمٍ مجتهد. وبلغ العرض ذروته بلقاء رمزي مع المفتي تيفكيليف، الذي ظهر مرتدياً زي جنرال قيصري، مؤكداً على وحدة رد الفعل الديني والرسمي. وفي النهاية، ألقى رجلٌ مسنٌّ قصير القامة لكنه قوي الإرادة، رافعاً رأسه، يسرد أفكاره التنبؤية عن عصر التنوير القادم.
في سبعينيات القرن العشرين، ظهرت موجة جديدة من الاهتمام، أطلق عليها الباحث عزت أخونوف اسم "تقديس التراث". وارتقى اسم الناصري أخيراً إلى مرتبة رمز وطني، ليُوضع في مصاف التقوى والجلاله. وبدأت أعماله تُعاد طباعتها على نطاق واسع، بما في ذلك نسخ مُعدّلة للأطفال. وخلال هذه الفترة، تحوّل في الوعي العام من شخصية مثيرة للجدل إلى مرجعٍ لا يُنازع في الثقافة الفكرية التتارية.
في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وفي فترة ما بعد الحقبة السوفيتية، أصبحت الصورة أكثر حميمية وإنسانية وتعدداً. فقد حوّل الفيلم التلفزيوني "شارع عبد القيوم الناصري" (1989)، ولا سيما اللوحة الوثائقية "ربط العوالم" (2025)، التركيز من الصراع الأيديولوجي إلى الصفات الشخصية للعالم ورسالته الوجودية. في الفيلم الوثائقي، يُصوَّر الناصري على أنه "باني جسور" بين الثقافتين التترية والروسية، وبين النظرة الإسلامية التقليدية والنظرة العلمية الحديثة للعالم، وبين مختلف الطبقات الاجتماعية. ويُقدّم الفيلم، بأسلوبه الجمالي الذي يُذكّر برحلات السفر، إرثه كجزء حيّ وعضوي من المشهد المعاصر لمدينة قازان.
ومن العناصر المهمة في التفسيرات الحديثة دحض الخرافات السائدة، كخرافة المتسول والناسك المهمل، وخرافة الملحد. يستعرض العرض المسرحي "قيوم ناصري: معطف فرو في الشارع" وصية العالم وتفاصيل حياته اليومية ليُظهر أنه كان رجلاً عملياً، ميسور الحال، ومتديناً. يمر مسار العرض بالمواقع التالية في قازان: سوق سينوي، وحديقة كيروف، ومنزل كارل فوكس، ومكتبة، ومسجد علييف ومتحف عبدالقيوم الناصري.
تطورت صورة عبدالقيوم الناصري من شخصية حقيقية ذات دور اجتماعي غير مألوف في عصره، مما أثار الرفض، مروراً بكونه رمزاً أيديولوجياً صارماً للتقدم والنضال في الحقبة السوفيتية، وصولاً إلى أيقونة متعددة الأوجه و"إنسانية" للثقافة الوطنية اليوم. تسعى التفسيرات الحديثة إلى تصويره لا كمقاتل، بل كشخصية مبدعة ومُوحِّدة، لا تكمن فضلها الرئيسي في المواجهة، بل في الترويج المستمر للحوار والتعليم كأساس للتنمية الوطنية.
مجموعة الرؤية الإستراتجية "روسيا - العالم الإسلامي"
صورة: جامعة قازان الفيدرالية