Ru En

مراد رمزي وطني حقيقي لشعبه

٢٢ أبريل

تعد شخصية مراد رمزي من أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الفكر اللاهوتي التتاري. كرس مراد رمزي جزءا كبيرا من حياته للدراسة الشاملة للأعمال الكلاسيكية لعلماء الدين التتار، اصحاب الشهرة العالمية. في نهاية حياته أكمل ربما أهم أعمل له وهو ترجمة الكتاب المقدس" القرآن الكريم " مع ملاحظات عليه باللغة التركية واالذي أصبح معروف على نطاق واسع بين التتار والأويغور وغيرهم من الشعوب الناطقة بالتركية.


يعتبر مراد الله بن بهادرشاه عبد الله الشيخ مراد رمزي بحق أحد الممثلين البارزين للمجتمع الفكري الإسلامي ، الذين في أواخر القرن التاسع عشر - أوائل القرن العشرين. وكان له الفضل في الازدهار الثقافي والديني لشعوب التتار والبشكير، بالإضافة الى التأثير مفيد على العمليات العامة للإحياء الروحي للشعوب المسلمة في الإمبراطورية الروسية. حصل على اللقب الفخري الشيخ مراد رمزي لخدماته المتميزة في مجال البحث التاريخي وتنوير المسلمين.


وُلد مراد رمزي عام 1854 في قرية أوول ألميت التابعة لبوليار في مقاطعة أوفا. خدم والده عم الملا، زين الدين نوركاي، كإمام في فوج الجيش الباشكيري - القوزاقي. والد العالم اللاهوتي بهادرشه عبدالله كان يتيما ولم يتلق تعليما جيدا. وكانت الأم امرأة متعلمة و من عائلة معلمين. وفقًا للتقاليد الأسرية فتحت مدرسة ابتدائية للفتيات في المنزل، حيث تلقى رمزي أول المعرفة بالدين من والدته.


دخل مراد في سن الثامنة مدرسة في قرية ألميتيفو. و بعد عام عرف رمزي قواعد اللغة العربية تماما. وفي سن الحادية عشر بدأ يدرس الكلام. أوصى عمه، الذي شعر بأنه قد أعطى لابن أخيه أقصى قدر ممكن من المعرفة أن يرسله والديه إلى مدرسة شهاب الدين المرجاني في قازان، حيث كان قد أرسل توصية الى هناك بقبوله.


لم يمكث كثيرا في قازان، قرر مراد المغادرة إلى بخارى بنية مواصلة دراسته في آسيا الوسطى. وصل إلى ترويتسك، حيث ظل هناك عامين ودرس في مدرسة مسجد المدينة الثالث. في ترويتسك، انضم عالم الدين إلى المدرسة الصوفية للإسلام، ولاحقا إلى الطريقة النقشبندية.


بعد ذلك، وفي طريقه إلى بخارى مكث في مدينة طشقند، وهناك تلقى دروسا للعديد من العلماء المشهورين لمدة شهرين. في بداية عام 1876، وصل مراد رمزي إلى بخارى. هنا واصل دراسة الكلام، لكنه عاد في أوائل ربيع عام 1876 إلى طشقند، حيث أمضى العامين التاليين وحضر دروس علماء المدينة والمنطقة المحيطة بها. وجد في طشقند العديد من الكتب عن الصوفية والعديد من السير الذاتية للأنبياء باللغتين العربية والفارسية. بعد ذلك، قرر رمزي الذهاب إلى تركيا ومصر والحجاز، حسب وصف أعمال عزت أخونوف. ذهب مع مجموعة من رفاقه إلى الهند، حيث مكث هناك لمدة ثلاثة أشهر. فقط في بداية عام 1876 وصل إلى جدة على متن سفينة. بعد زيارة مكة وأداء فريضة الحج، استقر رمزي في المدينة المنورة لمدة أربع سنوات. خلال هذا الوقت، طور معارفه باللغة العربية ودرس الحديث والتفسير والفقه وحفظ القرآن الكريم. تابع رمزي دراسته في مكة باشراف الشيخ عبد الحميد الداغستاني. ركز على كتب الكلام والفقه والحديث والتفسير وفي نفس الوقت اهتم بالاعمال التاريخية.


بدأ رمزي في المدينة المنورة العمل على ترجمة الاعمال الخاصة بالتبجيل من قبل أتباع الاتجاه النقشبندي للصوفية من الفارسية الى العربية. يقول المؤرخون إن المرشد الروحي لرمزي الشيخ الزواوي اعتبر ترجمات رمزي من أنجح ترجمات التي تم طباعتها ونشرها. في 1889-1990 صدرت ترجماته في مكة على نفقة الشيخ الزواوي وأبناء وبلده.


كتب مراد رمزي طوال حياته ونشر أكثر من 15 عملاً علميا، بالإضافة إلى العديد من المقالات والقصائد. ومع ذلك، كانت توجهاته الرئيسية هي دراسة تاريخ الأتراك الروس والإسلام في منطقة حوض الفولغا والأورال وسيبيريا الغربية. بدأ رمزي في تأليف كتابه " تلفيق الاخبار" ("العمل في تاريخ ملوك قازان والبلغار والتتار") في عام 1892 واكمله بعد 15 عامًا . في عام 1908 ، وبدعم مالي من الشيخ زين الله رسولوف ، وهو صوفي بارز وعميد المدرسة الإسلامية "الرسولية" في ترويتسك، نُشر هذا الكتاب في أورينبورغ، واحدث تاثيرا كبيرا.


يعتبر عمل " تلفيق الاخبار" ذا قيمة خاصة، لأنه عرض تفصيلي للتطور التاريخي للهون والأتراك والسلاف والمجريين من العصور القديمة إلى العصور الوسطى. بالتسلسل يركز المؤلف انتباه القارئ حصريًا على تاريخ الحشد الذهبي وثقافته والشعوب القاطنة. درس علاقة خانات التتار بالدولة الروسية الناشئة. يتناول الجزء الأخير من العمل تاريخ غزو روسيا لمنطقة الفولغا والأورال وسيبيريا الغربية وعواقبها على شعوب منطقة الفولغا والأورال. مصائر هذه الشعوب موضع اهتمام خاص للشيخ رمزي.

 

ويجب الاشارة هنا الى اهتمامه الخاص للمواد الببليوغرافية حول أكثر من مائة وخمسين شخصية دينية بارزة ، وخاصة التتار والبشكير، الذين كانت لهم أنشطة ثقافية وتعليمية تنويرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. خصص الشيخ مراد رمزي عدة صفحات لسيرة معلمه الروحي، الشيخ  زين الله رسولوف.


ميزة كتاب الشيخ رمزي الإيجابية مقارنة بأعمال من نفس النوع لعلماء مسلمين آخرين: فهو مكتوب باللغة العربية ويحتوي على أفضل التجارب السابقة التي اعتمدها المؤلف من مؤرخي روسيا وأوروبا الغربية. يقسم رمزي عمله إلى فصول وفقرات ويعطي قائمة بالأعمال المستخدمة- المراجع. كتابه مزود برسومات ومخططات وجداول ومخططات للمواقع التاريخية.


لم يكن مراد رمزي عالما ومؤرخا عظيما فحسب، بل كان أيضا وطنيا حقيقيا. وتجدر الإشارة إلى أنه حتى اليوم في الأوساط العلمية الغربية والعربية، يُعرف بأنه عالم مسلم ومؤرخ ومؤلف كتاب تاريخي مكون من مجلدين بعنوان " تلفيق الاخبار" ، كرس لتاريخ الأتراك الذين عاشوا في روسيا القيصرية (نحن نتحدث عن الباشكير، الكازاخيين، فولغا بولغار ، قازان تتار، أوزبك ونوجيس) ، والإسلام في الأراضي الشاسعة للإمبراطورية الروسية السابقة. الجدير بالذكر أن هذا العمل في الغرب تم تضمينه كمرجعا علميا للباحثين المعاصرين.