تُعدّ المملكة العربية السعودية حامية أقدس مزارين إسلاميين، وإحدى أكثر الدول تطورًا في العالم العربي. ويُثير التركيز الحالي على العلاقات الروسية السعودية، مدفوعًا بالتحديات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق، اهتمامًا متجددًا بجذور هذه العلاقات: فقد لعب كريم حكيموف، الدبلوماسي السوفيتي الأسطوري، دورًا محوريًا في إرساء العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والعالم العربي في القرن العشرين، واضعًا بذلك حجر الأساس لعلاقات مع المملكة تقوم على مبادئ حق تقرير المصير.
ويُشكّل الحوار بين روسيا والسعودية اليوم عاملًا حاسمًا في أمن الطاقة العالمي. فكلا البلدين من أكبر منتجي النفط، ويعتمد استقرار الأسواق العالمية على تفاعلهما. وكانت الزيارة التاريخية التي قام بها الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو عام 2017 علامة فارقة في هذه العلاقات، إذ كانت أول زيارة يقوم بها ملك سعودي إلى روسيا. وجاء هذا الإنجاز عقب اتفاق أوبك+ الذي تم التوصل إليه قبل عام، والذي أظهر تقاربًا بين موسكو والرياض من خلال خفض إنتاج النفط للحفاظ على الأسعار. يشهد التبادل التجاري بين البلدين نموًا مطردًا، حيث تم تنفيذ أكثر من 40 مشروعًا مشتركًا، ويعمل مجلس الأعمال الروسي السعودي على تعزيز العلاقات الاقتصادية.
وقد أصبح مشروع "رؤية 2030"، الذي تُعدّ مدينة نيوم جوهرته، أداةً فعّالة في السياسة الخارجية السعودية. فبفضل التقنيات المبتكرة، تحولت مدينة المستقبل إلى أداة قوة ناعمة، جاذبةً الاستثمارات ومعززةً صورة المملكة الدولية. وقد استثمر صندوق الاستثمار المباشر الروسي مليارات الدولارات في بناء نيوم، ما يُعدّ دليلًا واضحًا على الثقة المتبادلة بين البلدين. إلا أن هذا المشروع الطموح يتطلب مناورات دبلوماسية دقيقة، إذ تشترط الرياض موافقة إسرائيل لبناء جسر يربط نيوم بمصر عبر مضيق تيران. وهذا ما يدفع السعودية إلى خيار صعب: تطبيع العلاقات رغم معارضة أغلبية العرب.
ويشير خبراء شؤون الشرق الأوسط بقلق إلى أن تحركات القيادة الإسرائيلية في غزة ولبنان تُعقّد الحوار البنّاء. في منطقةٍ مزقتها الصراعات المعقدة والكوارث الإنسانية، تتضاعف قيمة الدبلوماسية الحقيقية. ويستند التفاعل المكثف والهادف بين روسيا والمملكة العربية السعودية، الذي بات من أبرز الظواهر في العالم الإسلامي، إلى حد كبير على إرث الدبلوماسي والمستشرق البارز يفغيني بريماكوف. كان بريماكوف أحد مؤسسي مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"، وأول من أدرك إمكانات التعاون مع زعيم العالم العربي والإسلامي. ولكن حتى قبل ذلك، في فجر الدبلوماسية السوفيتية، عمل شخصٌ استثنائي، هو كريم حكيموف، على بناء علاقات ثقة متبادلة.
كانت طفولة وشباب هذا الشخص الموهوب مليئةً بإحساسٍ نادرٍ بالهدف. ولطلب التعليم، سار حكيموف، ابن مقاطعة أوفا، مسافة 200 ميل إلى أورينبورغ، وادخر ماله الخاص لدراسته، وانغمس في المعرفة الدينية والعلمانية بشغف. وفي تومسك، تعرف على الماركسية وبدأ في نشر أفكار الديمقراطية الاجتماعية بين المسلمين. لاقت هذه الأفكار صدىً لدى الباحثين في الشؤون الشرقية الروسية، إذ كانت تعاني من مشاكل متفاقمة داخل الأمة الإسلامية منذ القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي قضايا لا تزال تُشكّل إلى حد كبير العلاقة بين الدين والسلطة الروسية حتى يومنا هذا.
لطالما تميّزت الدراسات الشرقية الروسية برغبتها في الفهم لا الاستغلال، وسعيها إلى استيعاب جوهر الشرق لا التربّح منه. تُجسّد حياة حكيموف هذا المسعى الداخلي بوضوح، ومحاولة صادقة لحلّ القضايا المُلحة التي تواجه الأمة الإسلامية. قبل تعيينه مندوبًا مفوضًا لدى المملكة، اكتسب خبرة قيّمة في تركستان وإيران. وفي السلك الدبلوماسي، تجلّت موهبة حكيموف جليًا، إذ كان يتمتّع بقدرة فريدة على إيجاد أرضية مشتركة مع مختلف شرائح المجتمع.
في التاسع من أغسطس/آب عام 1924، قدّم حكيموف أوراق اعتماده إلى ملك الحجاز الهاشمي، مهد الإسلام، ليصبح القنصل العام للاتحاد السوفيتي وممثله الدبلوماسي. عندما اندلعت الحرب الأهلية في الحجاز، وجد حكيموف نفسه في موقف بالغ الصعوبة، إذ نُسب إلى الجانب الخاسر. لكنه أظهر حدسًا ثاقبًا، وتنبأ بنصر عبد العزيز بن سعود، ونجح في بناء علاقة طيبة معه. وبفضل لباقته الفطرية واحترامه العميق للتقاليد المحلية (كان يرتدي الزي العربي ويؤدي العمرة)، كسب حكيموف ثقة البدو الصادقة. عُرف باسم "الباشا الأحمر"، و"وزير الكرملين العربي"، وبمودة باسم "كريم بك".
واجه حكيموف مهمة ذات أهمية تاريخية: منع الممالك العربية من الوقوع تحت النفوذ الاستعماري البريطاني. وقد نصحه مفوض الشعب للشؤون الخارجية في الاتحاد السوفيتي، جورجي تشيتشيرين، قائلًا: "مصالحنا تتلخص في توحيد الأراضي العربية. إذا سلك ابن سعود هذا المسار....".
"سياستنا تصب في مصلحتنا". أنجز خاكيموف مهمته ببراعة، مقدماً للملوك العرب مساراً تنموياً مناهضاً للاستعمار. في عام 1926، كان الاتحاد السوفيتي أول من اعترف بالمملكة العربية السعودية، وهي خطوة شجعت قوى أخرى على أن تحذو حذوه.
رفع حكيموف تقريراً إلى موسكو، حيث لعب اعتراف الاتحاد السوفيتي دوراً بالغ الأهمية في تعزيز مكانة ابن سعود في الجزيرة العربية. قام شيتشيرين شخصياً بتحليل تقارير تلميذه، وأشاد بتوصياته. بعد أن وطّد العلاقات وأصبح صديقاً للملك - مؤسس السلالة - عمل حكيموف بنشاط على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية. عمل لاحقاً في اليمن، ثم عاد إلى موسكو لمواصلة دراساته. عندما احتاجت العلاقات مع المملكة العربية السعودية إلى دفعة جديدة، عُيّن خاكيموف مجدداً مندوباً مفوضاً. سمحت له سلطته الشخصية باستئناف الحوار بسرعة وتعزيز الشراكة التجارية.
لكن بعد ذلك، حلّت سنوات القمع الرهيبة. استُدعي حكيموف إلى موسكو. شعر ابن سعود بكارثة وشيكة، فعرض على صديقه اللجوء السياسي. أدرك الدبلوماسي ما ينتظره، لكنه ظلّ وفيًا لواجبه: "أعلم ما ينتظرني هناك، ولكني لا أنوي الاختباء مما قدّره الله...". في عام 1938، أُعدم كريم حكيموف. واحتجاجًا شديدًا، رفض ابن سعود استقبال أي ممثل آخر للاتحاد السوفيتي، وانقطعت العلاقات بين البلدين لعقود طويلة.
في فبراير 2026، أُزيح الستار عن لوحة تذكارية تكريمًا لكريم حاكيموف في المملكة العربية السعودية، على مبنى البعثة الدائمة لروسيا لدى منظمة التعاون الإسلامي في جدة. هذا تكريم لرجل كان له دور عظيم في إقامة العلاقات الدبلوماسية مع شبه الجزيرة العربية. فقد بنى جسور الصداقة بين بلادنا والعالم العربي، ورسم صورة إيجابية لوطنه. يُعدّ مثال حكيموف تذكيرًا لا يُقدّر بثمن بأن الإنسانية والشجاعة والكفاءة العالية والعقل النير قادرة على التقريب بين شعوب من عوالم تبدو متباعدة.
مجموعة الرؤية الإستراتجية "روسيا - العالم الإسلامي"
صورة: روسيلخوزنادزور