Ru En

إرث الفكر الإسلامي في روسيا

٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥

على مدى ألف عام، نضج فكرٌ فريدٌ تحت مآذن شمال القوقاز وفي مدارس منطقة الأورال، الفولغا الهادئة. هذه الأرض الوعرة المرتفعة، والمعقل الشمالي للإسلام، رعت حكمةً راسخةً ونبيلةً كزهرة إديلويس الجبلية أو شجرة أرزٍ متفرعة. هنا، وجد التراث الكلاسيكي، المتشابك مع الواقع الروسي، صوتاً جديداً قادراً على مخاطبة العصر الحديث. عندما تعصف الأفكار الغريبة بالعالم الروحي الروسي كالعواصف، يتردد صدى صوت مفتينا بوضوحٍ خاص في هذا الصمت الذي يسبق العاصفة. بالاستناد إلى التراث، يُصدر حُماة الإسلام المعتدل فتاوى الأمة التي تحافظ بعناية على القيم الأصيلة والأخلاق والإيمان الحي الذي ترسخ في هذه الأرض عبر القرون.


في دربند، بدءً من القرن الحادي عشر، ازدهر الفكر الخاص بعلم الكلام بفضل الصوفي والفقيه يوسف بن أحمد الدربندي، والمؤرخ ماموس الدربندي، ويوسف اللاكزي، الذي أصبحت أعماله مهداً لاسم دربند. لاحقًا، انتقلت شرارة المعرفة إلى شمال القوقاز: ففي كوموخ القديمة، كتب الصوفي والحكيم أحمد اليماني رسائله، واحتفى علي البغدادي وجماعته بالعلم بكلمات شعرية. وعلى ضفاف نهر الفولغا، مع اعتناق الإسلام عام 922، بزغ فجر فكري جديد. لم يكتفِ أعلامٌ مثل أحمد البولغاري باستيعاب علوم الإسلام، بل أشعلوا أيضاً نوراً ساطعاً من التراث، منيرين درب أجيالٍ بأكملها.


ومن الرواد البارزين يونس بن إيواني، أول من غامر بالذهاب إلى بلاد ما وراء النهر الأسطورية بعد سقوط خانية قازان، باحثاً عن العلم. لم يكتفِ بالدراسة، بل أعاد نور العلم، فأسس مدرسة دينية، وألّف مصنفات قيّمة في اللغويات العربية والفقه. وبحسب رضا فخر الدين، أصدر إيواناي فتوى متعلقة بوجوب صلاة الليل في بلاد الموطن الشمالي للإسلام.


وخلفه إشنياز بن شرنياز، وهو رحّالة من خوارزم لجأ إلى سهوب الفولغا. أدار مدرسة دينية ليس فقط في منطقة قازان، بل في قرية قرب أورينبورغ، وتخرّج على يديه أئمة ومدرسون. وقدّم هذا العالم للناس "العقيدة البولغارية" (1780)، وهي أول مرجعٍ روحي للعقائد الدينية منذ سقوط خانية قازان. وقد حرّر ابن شرنياز قلوب معاصريه من صلاة الليل في الليالي البيضاء، ليالي يونيو الطويلة المشرقة. إن قضية الشريعة هذه، التي نوقشت منذ زمن بولغاريا الفولغا، ستعود للظهور في هذه الأراضي مرات عديدة

 

كانت روح الإسلام الروسي بحاجة إلى الشعر والنشوة والحب. وقد وفرها الصوفيون، الذين تحولت أشعارهم إلى أناشيد دينية ترنيمية. في كتابه "الحكم" (القرن الثاني عشر)، الذي لاقى رواجاً بين الشعوب التركية في روسيا، مزج أحمد اليسوي بين التصوف الناري للحلاج وقوله الشهير "أنا الحق" وبين اعتدال العالم الجليل الغزالي. كان هذا مزيجاً من طريق المختارين، المتحدين بالحق، وطريق كل قلب بسيط يتوق إلى القرب الروحي. لم تصبح الرسائل الصوفية كتبًا دراسية، بل "حدائق اللطف"، مثل أهم أعمال أبي بكر محمد الدربندي، الذي أُنجز عام 1104. شكلت هذه الأعمال العريقة أساس علم الكلام الصوفي بين المسلمين الروس في القرن الثامن عشر.


مع ذلك، خلال هذه الفترة، دارت المعركة الفكرية الرئيسية في مجال الفقه - حوار بين القانون الأزلي وواقع الحياة المتغير. كان علماء الدين مفسرين متحمسين، يسعون جاهدين للتوفيق بين المثل السماوي والواقع الأرضي. وتحولت المناقشات الحادة حول الاجتهاد - أي حق الفرد في الحكم المستقل - إلى صراعٍ على روح الإيمان الحية. ودعا بعضهم، مثل غابدنناسير كورسوي، ولاحقاً الداغستاني علي كاييف، بحماسٍ إلى تجديدٍ جريء، وحوارٍ مع العصر الجديد. أما خصومهم، فقد حرصوا على صون حكمة الأجيال، المحفوظة في التراث – التقليد.


وكان أطول نقاشٍ بين المفكرين المسلمين في منطقة الفولغا حول صلاة الليل - مسألة الواجب والرحمة. فقد برهن الشاعر والعالم التتري شريفي، بدقةٍ رياضية، أنه في ولاية بولغاريا، "تحت حماية القمر"، لا يوجد ليلٌ حقيقي، "لأن الفجر كالضوء"، وبالتالي لا وجوبٌ عليها. في المقابل، أصرّ كورسوي، داعية التجديد، على أن الوجوب لا يُلغى، ولكن يمكن تخفيفه بدمج صلاتين في صلاةٍ واحدة. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، برزت معضلة الصلاة في الليالي البيضاء، التي لطالما حيرت العلماء، كالشفق القطبي في أذهان أبرز علماء تلك الحقبة: فقد وجّه إليها شهاب الدين مرجاني وموسى بيجي وغيرهما أنظارهم الثاقبة.


وقد كشف رضا الدين فخر الدين، خلال فترة توليه منصب قاضي المحفل الروحاني الإسلامي في أورينبورغ، عن سبيل الإنجاز القائم على الرحمة. فعندما واجه رسائل مريرة من نساء اختفى أزواجهن، لم يستسلم للجمود الشكلي. كان المذهب الحنفي، السائد في وديان الفولغا وسهوب سيبيريا، حصنًا منيعًا للنظام الصارم في مسائل الطلاق، حيث كان إنهاء الزواج في حالة اختفاء الزوجة يُعدّ أمراً ضاراً بهؤلاء الأزواج. وجد رضا فخر الدين مخرجاً خفياً في صميم التقاليد، داعيًا إلى تبني أحكام أكثر تسامحًا من مذاهب فقهية إسلامية أخرى. لم يرَ فخر الدين أئمة مجمع أورينبورغ، بوصفهم رسل الحق الأحرار، حماةً لعقيدةٍ واحدة. فرأى أن هذا ليس خيانةً، بل أسمى تجليات الرحمة -المصلحة- أي حب الناس كأساسٍ للإيمان.


أضاء فكر المفكر الداغستاني حسن القادري - باني الجسور الروحية- درب أبناء قبيلته عند مفترق طرق التاريخ. كتب مؤلفه "مستودع الهبة" (الذي نُشر عام 1912) كوعاءٍ ثمينٍ سعى فيه إلى حفظ مياه الشريعة النقية، خشية أن تتبدد في رمال الواقع الجديد، بل لإرواء ظمأ النفوس. وبينما ظلّ القادري وفيًا للمذهب الشافعي، فقد أولى اهتماماً بالغاً بحكمة الحنفية، مقارناً بين تفسيرات الحقيقة العظمى. في خِضَمّ الجدل الدائر بين التمسك الأعمى بالتقاليد والابتكار الجريء، اختار طريق الاجتهاد المتوازن، مؤمناً بأن أبواب التفكير المستقل لا ينبغي إغلاقها أبداً، لكنه فتحها بحذر الحاج الذي يدخل أرضاً مقدسة.


إن الفكر الديني للمسلمين الروس، المتجذر في قرون مضت، أشبه بزهرة لا تذبل في العالم الإسلامي الشمالي. تاريخه العريق كنزٌ دفين من الحكمة، واليوم، استجابةً لتحديات العصر، يزهر في فتاوى الحكماء الذين يجسدون الإرث الفقهي للإسلام من منطلق الاعتدال والوئام، موجهين العقول نحو صون السيادة الروحية، والسلام في المجتمع، وقيم الأسرة المقدسة التي شكلت تاريخياً أساس الوحدة الوطنية الروسية.


كتبت هذ ه المقالة استنادًا إلى البحث الذي أعدّه رفيق محمدشين، رئيس المعهد الروسي للدراسات الإسلامية، وشاميل كاشف، المستشرق في الأكاديمية الروسية للعلوم، بعنوان: "إرث علماء الدين المسلمين في سياق التحليل التاريخي لتكييف النظام القانوني الإسلامي مع الواقع الروسي".

 

 

مجموعة الباحثين "روسيا - العالم الإسلامي"

الصورة:  Daniel Silva/Unsplash