واجه "مجلس السلام" لغزة، الذي أعلنه ترامب كآلية لتسوية متعددة الأطراف، مفارقةً: فبينما كان يهدف إلى إظهار "نهج جديد"، كشف عن الحقائق القديمة الثابتة للصراع. وفي حين ترى بعض وسائل الإعلام في الشرق الأوسط أن هذا الهيكل مسارُ عملي نحو الاستقرار، يراه آخرون أداةً لإضفاء الشرعية على الوضع الراهن القائم على القوة والتوسع الاقتصادي، حيث تُعطى الأولوية لأمن إسرائيل وربح الأطراف الخارجية، مما يُهمّش فكرة السيادة الفلسطينية.
استقبل محررو صحيفة "ذا ناشيونال أرابيك" إعلان ترامب عن خطته متعددة المراحل لغزة بارتياح ممزوج بشيء من الريبة، فبعد سنوات من الحرب وعشرات الآلاف من الضحايا، بدت أي خطوة نحو السلام معجزة، و"غزة الجديدة" المقترحة مجرد حلم بعيد المنال. إلا أن العملية تكتسب زخماً الآن. تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، وتأسيس "مجلس السلام"، والاستعانة بقوة أمنية دولية بمشاركة مصر والأردن، كل ذلك جعل ترامب يُصوَّر، بعد الفضائح الأخيرة، على أنه "رمز التعددية"، وهو إنجاز بحد ذاته.
يتناول صحفيو جريدة "الشرق الأوسط"، في صفحاتها الخضراء، الرئيس الأمريكي وإنجازاته في السنة الأولى من ولايته الثانية بتفصيل دقيق. ويتذكر سمير عطا الله أنه عندما تحدث جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، عن "ريفييرا" جديدة في غزة، بدا الأمر وكأنه مزحة. لكن ترامب شرح شخصيًا أهمية المشروع بينما كانت غزة تُدمَّر مرارًا وتكرارًا. وقد استخف العالم بتصريحاته واعتبرها مجرد كلام فارغ. ويُظهر الحدث البارز الذي وقع على بُعد آلاف الكيلومترات من الشرق الأوسط - اختطاف الرئيس الفنزويلي والاستيلاء على نفط بلاده - و"مجلس السلام" الذي تلاه، كيف يُحوّل ترامب السياسة إلى أرقام. المعادن النادرة في أوكرانيا، وباطن غرينلاند: "رجل من عالم العقارات يقود العالم"، كما يشير كاتب العمود، مؤكدًا على روح المبادرة المتنامية لدى ترامب. ويلاحظ الكاتب أيضاً تعبيراً جديداً في البيت الأبيض: "الرئيس وفريقه"، وليس "...إدارته".
يرى الدكتور عبد الله فيصل العربي، في مقالته "عام ترامب المضطرب"، أن فوز ترامب حالة شاذة عابرة، لكنها تعكس بوضوح استياءً من المؤسسات الأمريكية التقليدية. ففريقه يتخذ قرارات غير مألوفة: "إن اعتقال" الرئيس الفنزويلي المذكورة آنفًا، والعودة إلى ضم غرينلاند - وهذا يشبه عملية تطهير داخل شركة كبيرة، حيث يُعيّن مدير صارم لإزالة العوائق التاريخية. لذلك، تُصرّ دول حكيمة كالمملكة العربية السعودية على إبرام اتفاقيات عبر الكونغرس الأمريكي - وهذا ضمان حقيقي ضد أهواء شاغل البيت الأبيض الحالي. بحسب الكاتب، ستصبح انتخابات التجديد النصفي القادمة في الولايات المتحدة بمثابة استفتاء شعبي على أمريكا الجديدة التي يرأسها ترامب.
بالعودة إلى مقال صحيفة "ذا ناشيونال" حول المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي، نجد حججاً تدعم شكوك الصحيفة العربية. فمزاعم "المساعدات الإنسانية التاريخية" و"الحفاظ على وقف إطلاق النار" تتناقض مع الواقع: فإسرائيل تواصل حصارها المشدد، وحماس لم تكتفِ بعدم نزع سلاحها، بل انتخبت بثقة قائداً جديدا. المرحلة الأولى لم تكتمل بعد، لكن الانتقال إلى المرحلة الثانية لا يمكن إيقافه. مهمة الولايات المتحدة هي دحض شكوك المشككين بالضغط على إسرائيل وإيجاد سبيل للتواصل مع حماس. إن استمرار معاناة سكان غزة يجعل أي تقدم طويل الأمد أمرًا بعيد المنال.
أما صحيفة "الأخبار" اللبنانية فهي أكثر تشاؤمًا. فبعد إطلاق إسرائيل سراح أسرى فلسطينيين، نشرت نصاً مثيراً للقلق بقلم طاهر أبو عياش بعنوان "دلالات الجسد الهزيل في الأسر". هذا النص يتناقض تمامًا مع مشروع "الريفييرا" الجديد في غزة. يصف الكاتب صور الأسرى الفلسطينيين المحررين بأنها ظاهرة بصرية صادمة، حيث يُعدّ الهزال إعادة تشكيل متعمدة للجسد، وأداة لبثّ الرعب: "يُجرّد الجسد من سيادته البيوسياسية، مُختزلاً الكفاح إلى صراع على السعرات الحرارية - أدنى مستويات الوجود".
ويخلص الكاتب إلى أن الأسرى يحوّلون الألم الصامت إلى لغة؛ فتصبح أجسادهم الهزيلة دليلاً قاطعاً على القسوة. ويستشهد زميله في المجلة، إبراهيم الأمين، بأدلة تاريخية - من العراق وأفغانستان - تُشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تُحضّران لحملة جديدة شاملة، بدعم من أوروبا. أهدافها: إيران، وقوى المقاومة، وحرب إبادة في فلسطين.
ووفقاً للكاتب، ليس هذا هو الوقت المناسب للمفاوضات التي تُقدّم الاستسلام. قد يختار ترامب، تحت ضغط داخلي، التصعيد الخارجي. أما في إسرائيل، فيُجمع الرأي العام على أن الوقت مناسب للهجوم، وفقاً لمبدأ "الحشيش المحروق"، فالقوة لا تُختبر بالأسلحة، بل بالصمود. إنّ ساحة المعركة الحقيقية هي تقسيم مجتمع العدو واستيعاب الخسائر طويلة الأمد.
إنّ رغبة واشنطن وحلفائها الصارخة في التربّح من إعادة إعمار المنطقة، التي تُعتبر استعماراً للمستقبل، لا تزيد قوى المقاومة إلا إصراراً على مواصلة الكفاح. ويكشف التشكيك الإعلامي، حتى بين شركاء الولايات المتحدة التقليديين في الشرق الأوسط، عن أزمة ثقة. ودون رفع حقيقي للحصار وإنهاء سياسة الاحتلال الإسرائيلي، سيكون تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط أمرًا بالغ الصعوبة.
مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا- العالم الإسلامي"
صورة: إريكا ويتليب/بيكساباي