أرست زيارة الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى البيت الأبيض الأمريكي الأساس للاستقرار في الشرق الأوسط، والذي يتمثل هدفه النهائي، وفقاً لسياسة المملكة العربية السعودية، في حل الدولتين للقضية الفلسطينية. وتتفق مع هذا الموقف روسيا الاتحادية، الذي يدعو إلى تعايش فلسطين وإسرائيل ضمن الحدود المعترف بها دوليا. مع ذلك، ووفقاً لصحفيين عرب في منشورات دولية، فإن المنطقة عالقة حالياً في جدلية نهجين مسدودين تجاه مستقبل كل من غزة والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي برمته.
من جهة، هناك نموذج "المستقبل بلا ماضٍ". ويتجسد هذا النموذج في المخططات الإسرائيلية (مثل "غزة الجديدة")، التي تقترح تحويل جزء من القطاع إلى ما يشبه دبي أو الريفييرا. وتسعى هذه المشاريع إلى طمس التاريخ، متجاهلةً القضايا الجوهرية: ذاكرة الضحايا، ومصير الفلسطينيين، وحقوقهم السياسية. في هذا النموذج، يُنظر إلى الفلسطينيين على أنهم مجرد مصدر إزعاج أو سلعة للربح، وتُعتبر معاناتهم الجماعية عائقًا أمام "التقدم".
ومن جهة أخرى، هناك نهج "الماضي بلا مستقبل"، كما يوضح حازم صاغية، كاتب عمود في صحيفة الشرق الأوسط. يتمسك كثير من الفلسطينيين والعرب بتاريخ مقدس، بدءً من وعد بلفور رجوعاً إلى معارك القرن السابع. يُنظر إلى الصراع على أنه صراع أبدي ميتافيزيقي ضد الشر، مما يبرر العنف ويرفض أي إمكانية لبناء مستقبل مشترك مع الإسرائيليين. هذا النهج، المتشبث بالماضي، لا يقدم حلولاً سياسية حقيقية، بل يُحاصر نفسه في دوامات من القلق.
كلا النهجين انتقائيان في الذاكرة ويؤديان إلى مزيد من المعاناة: أحدهما يبني مستقبلاً وهمياً بمحو الماضي، بينما الآخر، المنغمس في الماضي، يرفض أي مستقبل مشترك. يتجلى هذا التناقض أيضاً في لبنان المجاور، حيث تُظهر محاولات إدارة الصراع عبر مفاوضات فنية (ما يُسمى "الآلية") مع إسرائيل بوساطة دولية مدى تعقيد الوضع.
يسعى لبنان، الذي يطمح إلى ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وتحقيق الاستقرار على الحدود، إلى استبعاد أي محادثات سلام أو تطبيع، ملتزماً بإطار مبادرة السلام العربية لعام 2002. ويُعدّ تعيين الدبلوماسي سيمون كرم رئيساً للوفد مناورة سياسية داخلية معقدة، تُشير إلى توافق تكتيكي مؤقت بين النخب لإدارة الأزمة، وليس إلى تغيير في المسار الاستراتيجي. ويتناقض الخطاب العلني لحزب الله الرافض لهذا التعيين مع الموافقة الضمنية لحلفائه السياسيين، ما يكشف عن تناقضات داخلية، كما يُشير الكاتب إبراهيم الأمين في صحيفة الأخبار اللبنانية.
هدف لبنان محدود للغاية ودفاعي: تأجيل حرب شاملة، والسماح بعودة النازحين، وتعزيز وقف إطلاق النار. وعلى عكس سوريا، لبنان يفتقر إلى مساحة للمفاوضات الاستراتيجية؛ فمصيره مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياق الإقليمي الأوسع.
فشل لبنان في تجنب خطر التصعيد طويل الأمد، ولم يُنشئ سوى آلية هشة لتأجيله. ويعتمد النجاح على تحقيق توازن بين الضغط العسكري الإسرائيلي، واستعداد حزب الله للحوار، وقدرة الدولة اللبنانية المنهكة على الدفاع عن مصالحها الضيقة. ويخلص مصطفى في صحيفة الشرق الأوسط إلى القول: "لقد تأجل خطر نشوب صراع كبير، لكنه لم يُقضَ عليه.
وهنا تبرز غزة كنقطة محورية تتلاقى فيها كل التناقضات: الإرث الاستعماري، والهيمنة الإمبريالية، والتشرذم العربي، والصراع على السيادة. فمأساة صبرا وشاتيلا عام 1982، وإراقة الدماء الأخيرة في غزة، والأحداث الجارية، كلها مظاهر لمنطق بنيوي يُستخدم فيه العنف كسلاح للهيمنة السياسية.
إن التزام الغرب بالحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل يعني أنه لا يحق لأي دولة عربية، فضلاً عن دولة فلسطينية مستقبلية، امتلاك قوة عسكرية مستقلة.
في هذا السياق المتوتر، تُعلن حركة الشباب الفلسطيني صراحةً في منشورها "من بيروت إلى غزة: نزع السلاح، والوساطة، والنظام الإقليمي" (على موقع صحيفة الأخبار اللبنانية): "غزة بوصلة. غزة، إلى جانب مهد المقاومة اللبنانية واليمنية، تكشف البنية الاستعمارية للقوة الأمريكية... هنا، تُختزل شجاعة المقاومة المناهضة للإمبريالية إلى مجرد ورقة مساومة في مفاوضات السلطة والبقاء".
يُظهر التاريخ أن السلام التوافقي، حتى في ظل ظروف صعبة، غالباً ما يُنقذ الأرواح ويُحافظ على أسس إعادة الإعمار في المستقبل. مع ذلك، فإن "السلام السيئ" قد يُرسخ الظلم ويُصبح مصدراً للصراع في المستقبل. يأمرنا القرآن الكريم بالميل نحو السلام، مثل العدو الذي القى سلاحه، والتوكل على الله سبحانه وتعالى. في عالم معقد تتخذ فيه الصراعات أشكالاً جديدة، يصبح البحث عن حلول عادلة أمراً بالغ الأهمية.
مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"
صورة: Mohammed Ibrahim\Usplash