أفادت وسائل إعلام روسية، نقلاً عن وكالة أنباء "مهر"، في 17 يناير/كانون الثاني، أن إيران أعادت جزئياً خدمات الإنترنت والهاتف المحمول بعد انقطاع تام وسط احتجاجات قوية، إلا أن الخدمة لا تزال محدودة للغاية. وقبل ذلك بثلاثة أيام، زعمت صحيفة الغارديان البريطانية أن إيران تستعد لقطع الإنترنت على مستوى البلاد. وبينما تُعد الصين اليوم مثالاً بارزاً على العزلة الرقمية وتأثيرها على المجتمع، فإن التاريخ الإسلامي يشهد أيضاً كيف تحولت فترات العزلة القسرية في كثير من الأحيان إلى منارات روحية انبثقت منها المجتمعات متجددة.
فرضت الحكومة الإيرانية قطعاً تاماً للإنترنت في 8 يناير/كانون الثاني، سعياً منها لقمع الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت إثر انهيار العملة الوطنية. وقد وفّر إيلون ماسك للمتظاهرين وصولاً مجانياً إلى خدمة ستارلينك الفضائية المحظورة لتجاوز الحجب. وفي 18 يناير/كانون الثاني، نشرت قناة تيليغرام التابعة لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) (المصدر الوحيد المتاح للمعلومات حول الأحداث في الجمهورية الإسلامية وقت كتابة هذا التقرير) بيانات باللغة الروسية للفقيه عباس علي كدخداي. اتهم الإدارة الأمريكية ودونالد ترامب شخصيًا بالمسؤولية المباشرة عن تدبير الاضطرابات في إيران، ودعا إلى محاكمتهما بتهمة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.
وفي اليوم نفسه، نشرت قناة تيليجرام المذكورة تقارير عن محادثات عمل بين وزيري خارجية إيران والعراق، بالإضافة إلى صور لاجتماع ضمّ آلاف الأشخاص من مختلف شرائح المجتمع مع المرجع الديني الأعلى علي خامنئي. ولم يُعلن عن أي قطع للإنترنت. مع ذلك، في 14 يناير/كانون الثاني، نشرت السلطات الإيرانية قائمة بالخدمات الإلكترونية الوطنية. ووفقاً لخبراء استضافهم موقع الغارديان - وهما أمير رشيدي، المتخصص في الحقوق الرقمية في إيران، ودوغ مادوري، مدير تحليل الإنترنت في شركة كينتيك - فإن هذه القائمة البيضاء الفريدة من نوعها من شأنها أن تُضفي الطابع الرسمي على انتقال البلاد إلى "إنترنت نظيف" مستقل تماما.
وتمثل هذه الخطوة المرحلة الأخيرة من مشروع السيادة الرقمية الذي طال انتظاره: فبدلاً من المنصات العالمية، سيُتاح للمستخدمين نسخ محلية من محركات البحث والخرائط وتطبيقات المراسلة وخدمات البث. هذا يعني فعلياً إنشاء نظام إنترنت داخلي وطني مغلق، يعزل السكان عن الإنترنت العالمي، وبالتالي يعزلهم عن دعوات الرئيس ترامب للتظاهر لمواصلة احتجاجاتهم والاستيلاء على المباني الحكومية. ومن الجدير بالذكر أنه خلال الاضطرابات، سقط ضحايا في صفوف قوات الأمن والمتظاهرين على حد سواء. وقد أعلن نائب الرئيس الإيراني عن ارتفاع عدد القتلى.
يعتمد التنفيذ التقني للمشروع الرقمي على نموذج "الإنترنت متعدد المستويات"، حيث ستتمكن الأجهزة الحكومية من الوصول إلى الشبكة العالمية، بينما سيتحول الإنترنت بالنسبة للمواطنين العاديين إلى شبكة محلية خاضعة للتحكم. سيضع هذا النهج إيران ضمن أكثر الأنظمة الرقمية انغلاقاً، ويشكل تجربة اجتماعية واسعة النطاق. ونظراً لغياب البيانات الرسمية، يبدو مقال صحيفة الغارديان مجرد تكهنات، إلا أن مواقع صحف إيرانية عريقة مثل كيهان وإطلاعات لا تزال غير متاحة للمستخدمين الروس.
إذا ما تم إغلاق قطاع الإنترنت الوطني في إيران، يجدر التذكير بأن العزلة القسرية كان لها العديد من النتائج الإيجابية عبر التاريخ، لا سيما في تاريخ الإسلام. هنا، لطالما كانت فترات العزلة والانفراد حافزًا قويًا للتجديد الروحي والاجتماعي. فقد نزل الوحي النبوي في صمت حراء المهيب، وكانت رحلة الإسراء والمعراج في عام الأحزان، وساهمت هجرة المسلمين من مكة في تأسيس أول دولة إسلامية في المدينة المنورة. حتى أوقات الانحدار الشديد شهدت نهضة فكرية وروحية عظيمة. يُظهر التاريخ أن البُعد القسري عن العالم المألوف ليس نهاية المطاف للتراث الإسلامي، بل هو بوتقة تُصقل فيها العقيدة ويُبنى فيها مستقبل جديد.
مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"
آرش (Arche)/Creative Commons 3.0