Ru En

بروز التعددية القطبية في الشرق الأوسط

٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥

عندما تدخل الدول في مواجهة، كما هو الحال بين الولايات المتحدة والصين اليوم، يمكن لنظرية العلاقات الدولية الواقعية الجديدة أن توفر مفتاحاً لفهم تصرفاتها. نقطة البداية هي غياب وسيط موثوق به في العالم، مما يُجبر الدول على التنافس على الأمن والنفوذ. هذا الصراع يُفضي إلى "نظرية انتقال السلطة": عندما تكتسب قوة ما نفوذاً سريعاً، بينما يكافح الزعيم الحالي للحفاظ على موقعه، يدخل العالم في فترة توتر شديد. من خلال هذه العدسة - التنافس وانتقال القيادة - يُحلل نيكولاي بوبكين، من معهد دراسات الولايات المتحدة وكندا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، كيف يُعيد المواجهة الأمريكية الصينية تشكيل النظام الأمني في الخليج العربي.


لقد تطور الموقف الأمريكي تجاه الصين من نهج متحفظ ومتعدد الأطراف في عهد باراك أوباما، الذي نظر إلى الصين كشريك صعب، مرورًا بفترة من المواجهة الحادة، والتي غالباً ما كانت أحادية الجانب، في عهد دونالد ترامب، الذي وصف الصين علناً بأنها "قوة مُراقِبة"، وصولاً إلى "إدارة المنافسة" منهجية في عهد بايدن. خلال هذه الفترة الأخيرة، لم يبرز الصدام مع الصين كمجرد تحدٍّ، بل كمحور أساسي للسياسة الخارجية الأمريكية، واستراتيجية مصممة لعقود قادمة. تؤمن واشنطن بأن هذه الاستراتيجية ستُشكّل العالم، وأن النصر فيها لا يُقاس بالنجاحات قصيرة الأجل، بل بالتقدم المستمر والصمود.


أما سياسة الصين في الشرق الأوسط فهي براغماتية، طويلة الأمد، وقائمة على مصالحها ومبادئها. يخلق التنافس مع الولايات المتحدة سياقاً وتحديات، لكنه لا يُملي على بكين تصرفاتها. فعلى سبيل المثال، سهّلت الصين بنشاط انضمام السعودية والإمارات إلى مجموعة البريكس، محوّلةً إياها إلى منصة للتفاعل البديل. بالنسبة لدول الخليج، تُعدّ هذه فرصة لتعزيز استقلالها عن واشنطن، وبالنسبة للصين، قناة لترسيخ نفوذها خارج الهياكل الغربية. وبينما تجعل الولايات المتحدة التعاون مشروطًا بحقوق الإنسان والديمقراطية، تبني الصين علاقاتها على مبدأ عدم التدخل: فالاستثمارات والعقود في إطار مبادرة الحزام والطريق لا تخضع لأي شروط سياسية.


تستغل دول المنطقة التناقضات ببراعة. فالولايات المتحدة، بوجودها العسكري الواسع، لا تزال الضامن للأمن، بينما تتبوأ الصين مكانة الشريك الاقتصادي الرئيسي، فهي أكبر مشترٍ للنفط ومستثمر في البنية التحتية والطاقة المتجددة. خير مثال على ذلك المملكة العربية السعودية: فبينما تبقى ضمن النفوذ الأمني الأمريكي، تُبرم المملكة صفقات بمليارات الدولارات مع الصين في مجالي الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. ويتم تجاهل ضغوط واشنطن لاختيار أحد الطرفين، إذ يُعظّم هذا النهج الهجين المكاسب للرياض.


ومن المبادئ المهمة الأخرى للسياسة الصينية إعطاء الأولوية للاستقرار على التضامن الأيديولوجي. فعلى سبيل المثال، لم تُقدّم الصين دعمًا غير مشروط لحليفتها القديمة إيران في مواجهتها مع السعودية. وبشكل عام، أظهر تطور دور الصين في حل العلاقات بين هذه الدول تحولاً من المراقبة الحذرة إلى الوساطة الفعّالة والمنهجية.
في البداية، اتسم الموقف الصيني تجاه إيران بالبراغماتية. فبصفتها أكبر مستورد للنفط، تعتمد الصين على الإمدادات من كلٍّ من إيران والسعودية، وأي زعزعة للاستقرار تُهدد أمنها الطاقي. لذا، تجنبت بكين اتخاذ أي خطوات قد تُفسر على أنها دعم لأحد الطرفين ضد الآخر. في الوقت نفسه، كانت إيران تُعتبر ثقلاً استراتيجياً هاماً في مواجهة الولايات المتحدة، وضمانةً ضد أي ضغوط أمريكية محتملة على مُصدِّر النفط العربي في علاقته مع الصين.


بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أدت العقوبات الصارمة إلى عرقلة الاستثمارات الصينية الكبرى في إيران. حوّلت بكين تركيزها نحو تعزيز التعاون مع السعودية ودول الخليج، الأمر الذي أثار قلق طهران. برزت الصين كوسيط فاعل، ونجحت في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في مارس/آذار 2023. وهكذا، انتقلت بكين من دور المراقب السلبي إلى دور مهندس الاستقرار الإقليمي. وقد أظهرت الصين استعدادها لتحمّل مسؤولية خفض التصعيد، وهو ما كان يُعتبر سابقاً من اختصاص الولايات المتحدة.


بالتوازي مع جهود حفظ السلام، اقترحت الصين تعاونًا بديلًا شاملًا مع دول المنطقة. وخلال زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى المملكة العربية السعودية عام 2022، عُرضت استراتيجية تضمنت عناصرها الرئيسية: فواتير الطاقة باليوان، واستخدام نظام الدفع الصيني، والشراكة في التقنيات المتقدمة (الجيل الخامس والسادس والفضاء). ويمثل هذا النهج، الذي يجمع بين الدبلوماسية، وتقليص الاعتماد على الدولار، ونقل التكنولوجيا، تحدياً جذرياً للهيمنة الأمريكية في المنطقة.


ولتعزيز هذا النجاح وتحقيق التوازن في تعزيز العلاقات مع مجلس التعاون الخليجي، فعّلت بكين الحوار مع طهران، ودعت الرئيس الإيراني لزيارة البلاد عام 2023. وبالنسبة للجمهورية الإسلامية، التي تخضع لعقوبات شديدة، تظل الصين نافذة اقتصادية لا غنى عنها على العالم، ومصدراً للاستثمارات المحتملة، ودرعاً سياسياً في مجلس الأمن الدولي.


وبصفتها قوة عظمى مسؤولة، وسعياً منها لتعزيز تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، حققت الصين تعاوناً عملياً، وقللت من مخاطر الصراع، وغيرت الديناميكيات الإقليمية: فقد أصبحت السعودية وسيطاً محتملاً بين الغرب وإيران، بينما عززت إيران شراكتها مع الصين وروسيا. ويُظهر هذا التوافق تراجعًا نسبياً في النفوذ الأمريكي، وفعالية النموذج الصيني القائم على الترابط الاقتصادي، والحلول الدبلوماسية والبديلة، والضمانات العسكرية.


أدى التنافس بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية إلى انقسام حاد إلى معسكرين. ويعكس تعزيز الصين لمكانتها في منطقة الخليج العربي التوجه العام نحو التعددية القطبية. وتعمل دول الشرق الأوسط، مع الحفاظ على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، بنشاط على توسيع دائرة شركائها لتجنب الانحياز بشكل قاطع لإحدى القوتين العظميين. وقد حوّلت الصين، التي كانت مهتمة بالمنطقة في البداية من منظور اقتصادي، المنطقة خلال عقدين من الزمن إلى مركز استراتيجي هام لمبادرة "الحزام والطريق".


تتبنى بكين نهجاً حذراً، فتلعب دور الوسيط وتسعى جاهدةً لتحقيق توازن يسمح لها بالحفاظ على نفوذها على جميع الأطراف. بالنسبة للأنظمة المَلَكية العربية، تُعدّ الصين قوة بديلة جذابة خالية من ماضيها الاستعماري. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تنامي نفوذ الصين يعني خطر فقدان هيمنتها التقليدية. ستُجبر واشنطن شركاءها الإقليميين على الحدّ من التعاون مع بكين، لكن مدى فعالية هذا الضغط ونطاقه لا يزالان موضع تساؤل.

 

 

روسيا - العالم الإسلامي" مجموعة الرؤية الإستراتجية"

 الصورة: Aritha/Pixabay