تعمل روسيا الإتحادية ودول آسيا الوسطى بنشاط على تطوير الحوار الإعلامي بدعم من مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي". فعلى سبيل المثال، زار صحفيون روس أوزبكستان في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 للقاء نظرائهم. يفتح هذا التفاعل آفاقاً جديدة، وقد أدرك المربي البخاري ميرزا سرودج حكيم أهميته منذ مطلع القرن العشرين. ففي كتاباته عن رحلاته، رأى في روسيا قناةً للتقدم، ما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون. وقد ساهم في ذلك إلى حد كبير فكره الجديد، وهو حركة فكرية اجتماعية نشأت في جنوب الإمبراطورية الروسية.
وُلد ميرزا سرودج عام 1877 في عائلة تجارية بخارية. وبينما كان سرودج الدين الصغير ينشأ ويتلقى تعليماً شاملاً، كانت أفكار التجديد - وهي أيديولوجية تسعى إلى الجمع بين التقدم العلمي والقيم الدينية - تنتشر بين الشعوب التركية المسلمة. ظهرت بداياته لأول مرة في صفحات صحيفة "تاردجمان" التي كان يكتبها المربي التتري القرمي إسماعيل غاسبرينسكي.
في عام 1902، سافر ميرزا سرودج إلى أوروبا، ثم إلى إيران، ومنها، بطريقة غير شرعية، إلى أفغانستان. هناك، اتُهم بالتجسس وسُجن. بعد عام، وبعد تبرئته من قبل أمير أفغانستان، سافر سرودج الدين مرة أخرى إلى إيران لدراسة الطب. في عام 1909، عاد الرحالة إلى بخارى، حيث افتتح مستشفى، رائدًا أساليب علاجية متطورة، وكتب الشعر، وأدار عمودًا تعليميًا عن الصحة في إحدى الصحف اليومية.
يُعدّ كتاب "هدايا إلى البخاريين" لميرزا سرودج حكيم صرحاً أدبياً بارزاً من العصر الجديد. يجمع هذا العمل بين انطباعاته من رحلاته عبر بلدان مختلفة، فضلاً عن وصفه للتقاليد والأحداث في إيران وأفغانستان والهند وروسيا وأوروبا. لا يكتفي المؤلف بمشاركة ملاحظاته، بل يطرح فكرةً جوهريةً حول ضرورة الإصلاح. يقدم كتاب "هدايا" رؤيةً للعالم من منظور آسيا الوسطى، ويُصاغ في سردٍ لرحلاته، وهو بمثابة " انطباعات شخصية" عميقة. ومن خلال هذا السرد، تتجلى شخصية ميرزا سرودج، مما يجعل الكتاب مرجعاً قيّماً لفهم أفكار وروح التجديدية.
وبينما يُكرّس الكتاب حبكته الرئيسية لأوروبا، التي تُوصف بأنها مثال التقدم و"جنة الأرض"، تحتل صورة روسيا مكانةً بارزةً فيه. يرى ميرزا سرودج في الإمبراطورية الروسية قوةً قادرةً على إدخال بخارى والمنطقة بأسرها إلى التقدم التكنولوجي والاقتصادي. ويصرح صراحةً بأنه بفضل روسيا، ستتمكن بخارى من التحديث، على غرار مراكز إمبراطورية متطورة مثل طشقند وباكو وتيفليس (الاسم الرسمي لعاصمة جورجيا، الذي كان يستخدم باللغة الروسية حتى عام 1936).
ينظر المؤلف إلى السلطة الإمبراطورية على أنها شرعية وبنّاءة. وينتقد بشدة ثورة دوكجيشان، معتبراً الصراع ضد القيصرية غير حكيم. يشير سيرودج إلى أنه مع وصول روسيا، تحسّن الوضع الاقتصادي في تركستان تحسّناً ملحوظاً: ففي قوقند - أوزبكستان، ازدهرت التجارة والزراعة بفضل الحكم الإمبراطوري. كما يُشيد بالروس لبنائهم مدنًا حديثة في الصحراء، مثل عشق آباد وكيزيل أروات.
وهكذا، يرى ميرزا سيرودج أن مثال المجتمع التقدمي المُجسّد في أوروبا لا يُمكن تحقيقه في آسيا الوسطى إلا من خلال روسيا. فهو ينظر إلى روسيا باعتبارها القوة الدافعة التي تفتح المنطقة أمام الابتكار والازدهار. وفي الوقت نفسه، وبصفته شخصاً ذا هوية إسلامية راسخة، لا يرى هذا المُربي في ذلك تهديداً للهوية الدينية، بل على العكس، يربط بين الرخاء المادي والنهضة الروحية القائمة على المعرفة الحقيقية للقرآن الكريم.
وبعد أكثر من قرن، وفي السياق الجيوسياسي الراهن، باتت الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب تتفاقم بشكلٍ مُشوّه. تحوّلت "الجنة الأرضية" التي وصفها ميرزا سرودج إلى "حديقة"، والتي وصفها الدبلوماسي السابق في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بأنها عرضة للغزو من قِبل بقية العالم، الذي وصفه السياسي بـ"الغابة". وفي ظل هذه التصريحات، يبدو التوجه الخارجي لروسيا الاتحادية، الهادف إلى بناء عالم متعدد الأقطاب، أكثر انسجاماً مع مُثُل التقدم التي نادى بها المفكر الجديد.
مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"
الصوررة: Akhemen/ Creative Commons 4.0