Ru En

كيف تدعم روسيا الثقافة الإسلامية؟

٢٧ فبراير

يُحدد الباحثون الروس ثلاث مراحل في تطور التعليم الإسلامي في روسيا الاتحادية: نهضة معقدة وفوضوية في تسعينيات القرن الماضي، ثم تنظيم منهجي في العقد الأول من الألفية الثانية بمشاركة فعّالة من الدولة، وأخيراً، المرحلة الحالية المتمثلة في تشكيل مدرسة دينية وطنية ذات التأثير والمرجعية. وفي هذه العملية أصبحت مؤسسة دعم الثقافة والعلوم والتعليم الإسلامي أداةً مهمة ، والتي أيضاً تُساعد رجال الدين على تعزيز استقلاليتهم وتُقلل من مخاطر الفساد، إلا أن مهمتها اليوم أوسع بكثير، إذ تشمل الحوار الدولي، ومعالجة القضايا الاجتماعية، وتوطيد المجتمع حول القيم التقليدية.


للتعليم الإسلامي في روسيا جذور عريقة تمتد لقرون. فقد نشأ في بولغار الفولغا وشمال القوقاز، واستمر وجوده خلال عهد القبيلة الذهبية والإمبراطورية الروسية. إلا أن الحقبة السوفييتية، بسياساتها المعادية للدين، وجّهت ضربة قاسية للتعليم الإسلامي. وفي تسعينيات القرن الماضي، حدثت النهضة بشكل عفوي، وتأثرت في كثير من الأحيان بأفكار أجنبية، مما انطوى على مخاطر. لمعالجة هذه القضايا، أنشأت الحكومة الروسية مؤسسة دعم الثقافة والعلوم والتعليم الإسلامي عام 2007.


وقد أُنشئت المؤسسة لتكون الأداة المالية والتنظيمية الرئيسية للدعم الحكومي. هدفها الأساسي بناء نظام تعليم إسلامي مستقل وذي سيادة، قائم على التقاليد الروسية. ولتحقيق هذه الغاية، تُقدّم المؤسسة منحاً للمؤسسات التعليمية، وتُساعد في تعزيز مواردها، وتموّل البحوث ونشر الكتب المدرسية، وتُشجّع على دمج التعليم الإسلامي في النظام التعليمي الوطني في روسيا. ولأن الدولة لا تستطيع تمويل المنظمات الدينية بشكل مباشر، تُشكّل المؤسسة وشبكة جامعاتها الشريكة قناةً مهمةً للدعم الموجّه. تهدف جميع هذه الأنشطة إلى تدريب كوادر مؤهلة، وتحديث المواد التعليمية، وتوحيد المجتمع المسلم حول القيم التقليدية.


في عام 2020، خضعت المؤسسة لإعادة هيكلة شاملة عزّزت دورها، حيث تحوّلت من مؤسسة خيرية إلى منظمة غير ربحية. وكان أبرز هذه التغييرات إنشاء مجلس المؤسسة، وهو هيئة إدارية جديدة قائمة على مبدأ المساواة. شمل ذلك تمثيلاً متساوياً من أبرز المنظمات الإسلامية الروسية والمسؤولين الحكوميين، بما في ذلك وزارة العلوم والتعليم العالي. وقد حوّل هذا المؤسسة إلى منصة رسمية للحوار بين رجال الدين والحكومة. بعد إعادة التنظيم، بدأت المؤسسة بالتفاعل المباشر مع إدارة الرئيس والحكومة ووزارة الخارجية، مما رسّخ دورها كمؤسسة إدارة استراتيجية مشتركة بين الدولة والطوائف.


كما أصبح تحوّل المؤسسة وهيكلها الإداري الجديد الشفاف أداةً مهمةً في مكافحة مخاطر الفساد. إذ يُلغي إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات من خلال مجلس متكافئ إمكانية عقد اتفاقيات غير رسمية سرا. كما توفر المؤسسة للمنظمات الدينية والمؤسسات التعليمية ورجال الدين مصدراً قانونياً وشفافاً للتمويل، مما يقلل اعتمادهم على مصادر أجنبية مشبوهة، التي كانت في الماضي تُستخدم غالباً كأساس لمخططات الفساد. ومن خلال توفير الدعم القانوني لرجال الدين على المستوى الاتحادي، تُقلل المؤسسة أيضاً من تعرضهم لضغوط جماعات المصالح المحلية التي قد تُغريهم بعقد صفقات غير عادلة، على سبيل المثال، مقابل الولاء السياسي..


تشارك مؤسسة دعم الثقافة والعلوم والتعليم الإسلامي بفعالية في أنشطة مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"، ساعيةً إلى تعزيز الروابط الثقافية والتعليمية. وتُيسّر المؤسسة اجتماعات المجموعة السنوية، التي تُناقش قضايا الشباب والتعليم وحوار الحضارات في إطار التعاون الروسي الإسلامي، بما في ذلك في منتدى قازان. وتُظهر الفعاليات الأخيرة المنشورة على موقع المؤسسة الإلكتروني نطاق أنشطتها الواسع، حيث تتضمن التقارير منتدى دولياً في موسكو حول الإسلام والتحديات العالمية، واجتماعات متخصصة في سارانسك حول العمل مع المسلمين المدانين، ومنتدى وطني لأسر المشاركين في العملية العسكرية الخاصة، ومؤتمراً أكاديمياً حول علم النفس الإسلامي.


وتتجاوز مهمة مؤسسة دعم الثقافة والعلوم والتعليم الإسلامي مجرد التمويل، إذ أصبحت فعليًا الأداة المركزية للدولة في تهيئة بيئة سليمة لتنمية الإسلام في روسيا. وتقدم المؤسسة دعماً منهجياً للمؤسسات التعليمية، وتنظم منصات حوار رئيسية، وتتناول قضايا اجتماعية هامة. كما تُعدّ حلقة الوصل الرئيسية والشريك الاستراتيجي للمنظمات الإسلامية، ساعيةً باستمرار إلى تعزيز الإسلام التقليدي والاستقرار الاجتماعي في روسيا.

 


مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"