"حوار روسيا والعالم الإسلامي": العلم لغةً للتفاعل بين الحضارات

١٥ ديسمبر ٢٠٢٥

عُقد في موسكو المؤتمر العلمي والعملي "حوار روسيا - العالم الإسلامي"، كفعالية ختامية تُقيمها هذا العام مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي". ركزت الفعالية على دور التراث التاريخي في الحوار المعاصر. وناقش المشاركون في  الذي ضم مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين و رجال، الذكرى الـ 950 لتأسيس مدرسة نظامية في داغستان، واختيار قازان عاصمةً ثقافيةً للعالم الإسلامي عام 2026، وأهمية التعليم كأساس للشراكة بين الحضارات.

 


وفي كلمته الترحيبية، استذكر رستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان الروسية ورئيس مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"، الجذور التاريخية العميقة للحوار بين روسيا والعالم الإسلامي، قائلاً: "هذا تفاعل بين حضارات عريقة شكلت فضاءً ثقافياً وتاريخياً مشتركاً في أوراسيا"، وأضاف: "بلادنا موطن لملايين المسلمين، والإسلام جزء لا يتجزأ من تراثها التاريخي والثقافي. ونحن نرى في هذه الشراكة فرصة استراتيجية". 

 

 


كما أشار مينيخانوف إلى حدث هام يُسلّط الضوء على دور روسيا في العالم الإسلامي، ألا وهو قرار اختيار قازان، عاصمة تتارستان، عاصمةً ثقافيةً للعالم الإسلامي عام  2026.


وفي كلمته أعرب مينيخانوف عن ثقته قائلاً: "أنا على يقين بأن الحوار المُستدام والقائم على الثقة بين روسيا والعالم الإسلامي لا يتحقق إلا بالاستناد إلى التقاء تاريخ وثقافة شعبينا"، منوّهاً بأهمية الحوارات التعليمية والتوعوية.


وأخيراً، أعلن عن اتفاق لتنظيم زيارة عمل للمجموعة إلى جمهورية داغستان الروسية، بهدف لفت الانتباه إلى مشاريع الحفاظ على مدرسة نظامية وترميمها، وتعزيز مشاركة المجتمع المسلم فيها.

 

وقدّم محمد سلام محمدوف، نائب رئيس إدارة الرئيس الروسي الموقف الرسمي لإدارة الرئيس الروسي بشأن الوئام بين الأعراق والأديان. وتحدث تحديداً عن التعاون مع جهات مثل مجموعة الرؤية الاستراتيجية الروسية الإسلامية العالمية.

 

 


وفي معرض حديثه عن السياسة الدينية الروسية، أشار محمدوف إلى أن المجتمعات المسلمة في البلاد أدركت، منذ القرن التاسع عشر، أن مفتاح التقدم يكمن في نظام تعليم ديني متجدد. ومنذ ذلك الحين، بدأ دمج الدراسات العلمانية ودراسة اللغة الروسية بشكل فعّال في مناهج المدارس الدينية. وأكد أن هذه التجربة التاريخية تُشكّل اليوم أساساً هاماً لسياسة الدولة الرامية إلى تعزيز الهوية المدنية الروسية الشاملة ومكافحة التطرف.


وأضاف قائلا: "روسيا منفتحة دائماً على الراغبين في بناء شراكات قائمة على مبادئ المساواة والاحترام المتبادل والعدالة والتعددية القطبية". وأشار إلى أن روسيا، التي تطورت على مر القرون ككيان موحد لشعوب من مختلف الأديان، تدعم بشكل منهجي الأديان التقليدية، التي أصبحت مصدراً لصمودها وقوتها الداخلية.


وفي كلمته، أكد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى روسيا الاتحادية، كاظم جلالي، أن وجوده ليس مجرد تمثيل سياسي، بل هو أيضاً تمثيل ثقافي لحضارة تربطها بروسيا روابط تاريخية عميقة.

 


وأشار الدبلوماسي إلى الدور الثوري الذي لعبه نظام المدارس الذي أسسه السياسي نظام الملك الطوسي في القرن الخامس الهجري، قائلاً: "أسس نظام الملك شبكة مدارس النظامية في بغداد ونيسابور وأصفهان وبلخ، مُنشئاً بذلك أول نظام تعليمي مركزي للدولة".


كما سلّط السفير الإيراني الضوء على الابتكارات الرئيسية، ومنها: إضفاء الطابع المؤسسي على التعليم من خلال توفير المنح الدراسية والسكن للطلاب، مما جعل التعليم متاحاً لجميع فئات المجتمع؛ ووضع منهج دراسي واضح يشمل العلوم الدنيوية إلى جانب الفقه الإسلامي؛ وتدريب الكوادر الإدارية لإدارة شؤون الدولة.


وأضاف كاظم جلالي: "لم تكن النظامية مجرد مدرسة، بل كانت شبكة اجتماعية وفكرية تجمع نخبة العالم الإسلامي. وكان تأثير هذه المدارس بالغاً لدرجة أنها أنجبت للعالم شخصيات عظيمة كالإمام محمد الغزالي والسعدي الشيرازي".


أكد الدبلوماسي أن النور العلمي لهذه المراكز سرعان ما وصل إلى القوقاز، حيث وُجدت مدارس النظامية التي أصبحت مراكز تعليمية. وتشهد النقوش الفارسية والعربية في المساجد القديمة في داغستان وتتارستان على أن لغة العلم كانت آنذاك لغة التفاعل والصداقة.


وصرح جلالي قائلاً: "اليوم، وفي ظل معاناة العالم من التطرف والجهل، يُعدّ إدراك أن التراث العلمي، الذي انتصر فيه القلم على السيف، أمراً حيوياً لنا جميعاً"، منوّهاً بأن التعاون الأكاديمي بين طهران وموسكو، ولا سيّما مع جمهوريات شمال القوقاز، كفيلٌ بضمان أمن هذه المناطق وتنميتها المُستدامة.


وتتعاون جهات حكومية رئيسية - إدارة التفاعل مع المنظمات الدينية والمكتب التنفيذي الرئاسي للسياسة الداخلية - تعاوناً فعّالاً مع مجموعة الرؤية الاستراتيجية. وقد أُقيمت شراكة خاصة مع مؤسسة دعم الثقافة والعلوم والتعليم الإسلامي، التي ألقى رئيس مجلس إدارتها، يفغيني إريمين، كلمةً أمام المشاركين.

 


أكد إريمين قائلاً: "إنّ المجال الديني في روسيا الاتحادية نابض بالحياة، وعميق، ومتنوع للغاية". وتحتفظ وزارة العدل الروسية، المسؤولة عن هذا السجل، بسجلٍّ يضمّ نحو ستين طائفة دينية، كما تُسجّل بشكل منفصل نحو عشرين منظمة تمثل حركاتٍ مثل الشامانية أو المعتقدات العرقية.


وأشار إريمين قائلاً: "لعلّ الخالق العظيم قد وهب شعبنا المتعدد الجنسيات والأديان هذا الفضل والرغبة في إتقان الحقائق الروحية. وقد تمّ ذلك على الدوام بأعلى مستوى".

 

ويُعدّ إنشاء مدرسة النظامية في مرتفعات تساخور مثالاً بارزاً على هذا الالتزام بالتميز. وحثّ إريمين الحضور على تخيّل كيف نزل الوحي على النبي محمد، في وقت قريب نسبياً، وبعد ذلك بوقتٍ قصير، في أعالي الجبال، ظهرت أول جامعة دينية وعلمانية، لافتاً إلى أن "هذه سمة فريدة لشعبنا. ولذلك نواصل السعي للارتقاء بنظامنا التعليمي الديني إلى المستوى الرفيع نفسه".


أشار إريمين إلى أنه في عام 2013، حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال كلمته في مجلس العلاقات بين الأعراق في أوفا، هدفاً لتطوير التعليم الإسلامي المحلي، "حتى لا نخجل من أسلافنا الذين تلقوا تعليماً رفيع المستوى في جامعات التعدين، حيث درسوا أيضاً العلوم الدنيوية".


ووفقاً له، يوجد في روسيا مجلس للتعليم الإسلامي يسعى جاهداً لضمان جودة الجامعات الإسلامية وتدريسها ليس فقط المواد الدينية بل أيضاً المواد الدنيوية. والأهم من ذلك كله هو تنشئة مواطنين روس وطنيين وتعزيز الشعور بالهوية المدنية لدى قادة المستقبل الدينيين.


وأضاف إريمين أن القيم الروحية لشعوب روسيا، ذات الجذور الدينية، أصبحت مشتركة بين الجميع على مرّ آلاف السنين من التفاعل. وهذه القيم مشتركة أيضاً مع الدول المجاورة الصديقة. وفي حديثه عن عمل المجموعة، ذكر مثالاً: إذ طلبت قيادة البنك الإسلامي للتنمية، بعد استماعها إلى روايته عن قيم دربند وتاريخها، مشاهدة تسجيل للرئيس فلاديمير بوتين وهو يُقبّل مصحفاً مُهدى في مسجد قديم، وقد ترك التسجيل أثراً عميقاً في نفوسهم.


وأعرب إريمين عن أمله قائلاً: "وحدتنا راسخة لا تتزعزع. هذا الكنز الروحي - صداقة الشعوب - يدافع عنه إخواننا اليوم خلال العملية العسكرية الخاصة. إن الله سبحانه وتعالى، الذي أنعم علينا بهذا الكنز، لن يسمح بزواله. سيُخلّد إرثنا ويُطوّره كل جيل جديد".

 

 


وشارك المفتي شفيق بشيخاتشيف، رئيس المنظمة الدينية المركزية "البعثة الإسلامية العالمية"، انطباعاته عن رحلة قام بها مؤخراً إلى داغستان، حيث أتيحت له فرصة أداء صلاة الجمعة في مبنى عمره 950 عاماً في قرية تساخور الجبلية.


أكد المفتي قائلاً: "من الصعب إنكار أن دربند وبولغار القديمة مركزان تاريخيان لنشر الإسلام والعلوم الإسلامية والثقافة والتعليم، ليس فقط في داغستان ومنطقة الفولغا، بل في روسيا بأكملها".


ووصف بشيخاتشيف مدرسة تساخور النظامية، التي افتُتحت قبل جامعة بولونيا بثلاثة عشر عاماً، بأنها حلقة في شبكة من المؤسسات التعليمية في بغداد ونيسابور ومدن أخرى. وللأسف، فُقدت العديد من المخطوطات القيّمة بسبب الحروب وفترة الإلحاد الرسمي في الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، فقد المبنى نفسه، الذي كان يُدرَّس فيه التاريخ والحساب والطب والشعر إلى جانب المواد الدينية، ما زال قائما.


وتطرق المفتي كذلك إلى القضايا المعاصرة، مستشهدًا بكلمات فلاديمير بوتين في اجتماع عام 2013: "أصبح الإسلام عاملاً مهماً في الحياة الاجتماعية والسياسية، وقدّم إسهامًا لا يُقدَّر بثمن في التنمية الروحية والثقافية لمجتمعنا".


أشار بشيخاتشيف إلى أن الإسلام الروبسي، مستنداً إلى قرون من الخبرة المحلية، يمتلك كل الفرص للتطور. وتتمثل المهمة الأهم في إعادة بناء مدرسة فكرية إسلامية معترف بها، تضمن سيادة الفضاء الروحي الروسي. وصرح بشيخاتشيف قائلاً: "يجب أن تستجيب هذه المدرسة لأهم الأحداث في روسيا والعالم، وأن تقدم تقييمات مفهومة وموثوقة للمؤمنين".


وكانت الأكاديمية الروسية للعلوم قد نظمت هذه الفعالية، حيث رحب أليكبير أليكبيروف، مدير معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية، بالمشاركين في المؤتمر نيابةً عن الأكاديمية، وأشار إلى أن "التاريخ يُستلهم منه المستقبل ويُبنى عليه عمل جديد"، مضيفاً أن جزءً مهماً من هذا التاريخ هو انتشار الإسلام في روسيا، بما في ذلك التواريخ المقدسة والتقاليد التعليمية.

 

 

 

وشدد أليكبيروف على أهمية إنشاء مدرسة نظامية في قرية تساخور الداغستانية. وأشار إلى أن أهمية هذا الحدث قد تُبالغ فيها بعض الشيء في المجال العام، لكن دورها كمركز للمعرفة لا يُنكر، "ويبقى أن المدرسة كانت تُسمى 'النظامية'. لقد كانت مدرسةً نشطة، ودرس العديد من خريجيها لاحقًا في أماكن أخرى".

 

وأوضح أليكبيروف أن هذا الإرث التاريخي يُضفي عمقاً استراتيجياً على علاقات روسيا مع العالم الإسلامي، مما يُتيح رؤيةً أفضل للمستقبل، بالاستناد إلى المسار العظيم للماضي.


كما شدّد أليكبيروف على ضرورة إعادة بناء المدرسة الشرعية، وأهمية الرجوع إلى النصوص التاريخية، مثل كتاب "آساري داغستان" للمُعلّم الداغستاني غسان الكاداري، مختتماً حديثه قائلاً: "إن إحياء هذا التراث سيُسدّ الفجوة القائمة، وسيُوفّر لنا أساساً أقوى وأكثر جدية ومتانةً لمزيد من التقدّم".


وتمّ عرض أنشطة النشر لمعهد الدراسات الشرقية، وعُرض كتاب جديد بعنوان "نقوش يهودية جبلية في داغستان". ويُجسّد هذا الكتاب نموذج داغستان الفريد للوئام بين الأعراق. أشار أليكبيروف قائلاً: "تذكروا أن من يستقر في داغستان، يصبح داغستانياً في نهاية المطاف. هذا أمرٌ بالغ الأهمية".


وفي الختام، أعلن مدير معهد الدراسات الشرقية عن برنامج المؤتمر، الذي تضمن جلستين: قسمٌ أكاديميٌّ مُخصَّصٌ لتحليل الحقائق التاريخية والأساطير، وقسمٌ تحليليٌّ يهدف إلى إيجاد حلولٍ للتطور المعاصر لروسيا استناداً إلى التجربة التاريخية.

 

 

 

 

وتضمن القسم الأكاديمي من المؤتمر نقاشاً يُفنِّد الأساطير الشائعة حول مدرسة نظامية في تساخور باعتبارها "أول جامعة في داغستان"، والتي تأسست عام 1075. وقد لوحظ أن مصدراً عربياً رئيسياً يصفها بأنها مؤسسة تعليمية بناها الوزير نظام المُلك، حيث أُنجزت فيها أعمال ترجمة مهمة إلى اللغة المحلية. وخلص الباحثون إلى أنها كانت على الأرجح فرعاً هامشياً لشبكة واسعة من المدارس التي تأسست لتعزيز الإسلام السني ومحاربة المذهب الشيعي على حدود الخلافة. ويُعزى اختيار تساخور، كما هو الحال مع غنجة، إلى إرث هاتين المدينتين كمركزين للثقافة الأدبية المسيحية القديمة.

لم يقتصر المؤتمر على تكريم التقاليد التعليمية العريقة فحسب، بل أوضح أيضاً صلتها المباشرة بالتحديات المعاصرة المُلحة: تعزيز سيادة روسيا على فضاءها الروحي، وتطوير مدرسة فقهية إسلامية محلية، وتنشئة جيل جديد من القادة الدينيين بروح الوطنية المدنية. وكما أظهر الحدث أن الرجوع إلى التاريخ المشترك يبقى مورداً أساسياً، لبناء حوار مُستدام بين روسيا والعالم الإسلامي، ولترسيخ مجتمع روسيا متعدد العرقيات.

 

 

مجموعة الرؤية الاستراتيجية  "روسيا - العالم الإسلامي "