استضافت جامعة "السلطان قابوس" في سلطنة عُمان مؤخراً لقاءً حوّل مفهوم الحوار الثقافي من مجرد نظرية إلى حوارٍ تفاعلي مباشر. أتيحت الفرصة لطلاب روس باتوا يتقنون اللغة العربية حالياً، من خلال برنامج تبادل تعليمي مكثف، للتفاعل مباشرةً مع نائب رئيس مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي" - مارات غاتين.

يُعدّ هذا العام الثالث على التوالي الذي تستضيف فيه جامعة "السلطان قابوس" هذه البرامج التدريبية. وبينما اقتصر المشاركون في الأعوام السابقة بشكل أساسي على روسيا ودول "رابطة الدول المستقلة" المجاورة وكوريا الجنوبية، شهد هذا العام توسع نطاق البرنامج ليشمل طلاباً من الصين وإستونيا. وقد جمعت الدورة الحالية 84 مشاركاً، بدعم من نحو 40 منظماً و80 متطوعاً، لخوض 48 ساعة من التعلم المكثف، وقد أوفدت روسيا 71 طالباً يمثلون 19 جامعة مختلفة، من بينهم 11 متخصصاً شاباً من تتارستان.

يُعدّ مركز "الحضرة" للثقافة العربية القوة الدافعة وراء برنامج التدريب الداخلي هذا للطلاب الروس. افتُتح الحدث باستعراض رمزي لأصول البرنامج، مُتتبعاً بداياته إلى أولى دوراته الشتوية التي انطلقت عام 2020 في البيت الروسي بالإسكندرية، وهو مركز كان يرأسه سابقاً مارات غاتين نفسه. وخلال كلمتها الافتتاحية، أشارت إميليا بايراموفا، ممثلة المركز، إلى أن "الخبرة العملية والتنظيمية التي اكتسبناها خلال البرنامج الشتوي الأول قد دُمجت لاحقاً في نموذج تنفيذ برامج التدريب الداخلي الأخرى لدينا".

تأسست مجموعة الرؤية الاستراتيجية عام 2006، وهي تتوسع حالياً بنشاط عبر ثلاثة محاور رئيسية. وأوضح مارات غاتين بالقول: "منذ العام الماضي، انتقلنا إلى الأنشطة القائمة على المشاريع". وفي القطاع الاقتصادي، ينصب التركيز على الصيرفة الإسلامية وصناعة الحلال، بينما يستهدف المسار الإنساني تحقيق نتائج ملموسة، مثل الشراكة بين أكاديمية "بولغار" الإسلامية وجامعة الأزهر. من المقرر أن تتمحور الأجندة الثقافية لعام 2026 حول مدينة قازان، التي تحمل حالياً لقب العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي.

سرعان ما تحول النقاش إلى جلسة تفاعلية طرح خلالها الطلاب أربعة أسئلة محورية. حيث سألت الطالبة في الأكاديمية الروسية للاقتصاد والإدارة العامة - ألينا فولكوفا، عن المهارات المحددة اللازمة للانخراط العميق في المنطقة. وأكد مارات غاتين: "من الضروري فهم الثقافة وكيفية عيش الناس... وكلما زاد الوقت الذي تقضيه في التدريبات العملية كهذه، كان ذلك أفضل". وعند الاستفسار عن القطاعات الواعدة للتعاون خارج نطاق الثقافة والقطاع المصرفي، سُلِّط الضوء بالحوار على الاهتمام المتزايد بالروابط العلمية والأكاديمية، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات وعلم الأحياء والكيمياء. كما أكد سؤال من دميتري ديركاش، الطالب في جامعة "مندليف" للتكنولوجيا الكيميائية، على الإمكانات الكبيرة للتعاون العلمي والتقني.

وكان الإعلان عن أداة تشغيلية جديدة: مكتب تمثيلي لتتارستان في سلطنة عُمان، من أبرز إنجازات الاجتماع. وقد تم افتتاح المكتب تحت رعاية المجموعة. في كلمته للطلاب، سلّط مارات غاتين الضوء على دورهم المحوري، قائلاً: "أنتم تُصبحون حلقة الوصل الأهم التي تُسهم في... فالثقافة والتعليم، في نهاية المطاف، يُفضيْان إلى ازدهار الأعمال والاقتصاد".

وفي ختام الاجتماع، خاطب عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة "السلطان قابوس" - محمد بن ناصر الصقري، الحضور، مؤكداً على الأهمية الاستراتيجية للحوار إذ قال: "نحن على يقين تام بأن الهدف من هذه الزيارات هو تعزيز العلاقات وتطوير التعاون متعدد الأطراف. فتعلم اللغات يُؤدي دوراً أساسياً في فهم الثقافات، فاللغة هي روح الشعوب وجسر التفاهم المتبادل"، وتمنى للمشاركين إقامة مثمرة وموفقة.


هذا ويُعدّ تطور هذه البرامج التدريبية - من مجرد تبادل ثنائي إلى مشروع متعدد الجنسيات - دليلاً واضحاً على كيفية تحويل المبادرات التعليمية إلى أساس متين للشراكة الاستراتيجية بين روسيا والعالم الإسلامي.
مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"