Ru En

إنتقال التمويل الإسلامي في روسيا الى مستوى دولي

٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥

افتُتح في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الاول 2025، رسميًا في مدينة قازان أول مركز تمثيلي في رابطة الدول المستقلة لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية والتي تعتبر منظمة رائدة في وضع معايير التمويل الإسلامي. وكما ورد في الفيديو التعريفي للمركز، فإن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، هي منظمة دولية غير ربحية تعمل على تطوير معايير موحدة لهذا القطاع منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتحديداً منذ تأسيسها في مملكة البحرين في 27 من مارس/آذار عام 1991. وتضم الهيئة أكثر من 200 عضو مؤسسي من 45 دولة، بما في ذلك البنوك المركزية والهيئات التنظيمية.


بدأ حفل الافتتاح بتلاوة آيات مختارة من القرآن الكريم تلاها مفتي تتارستان.

 

حضر الفعالية رئيس تتارستان، رستم مينيخانوف، رئيس مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"، والشيخ إبراهيم بن خليفة آل خليفة، رئيس مجلس أمناء هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، وممثلون عن البنك المركزي الروسي، والهيئات الحكومية في المناطق المشاركة في تجربة التمويل الند للند، ونواب مجلس الـ دوما، ورابطة البنوك الروسية، بالإضافة إلى مقدمي الفيديو التعريفي بالمركز. وعُقدت خلال الفعالية جلسة الطاولة المستديرة، حيث ناقش الخبراء دور المركز الجديد في تطوير التمويل الند للند في دول رابطة الدول المستقلة.

افتتحت إلفيرا نابيولينا، محافظ بنك روسيا، الفعالية بكلمة ترحيبية، وأعربت في كلمتها المصورة عن ارتياحها لاختيار المنظمة الدولية لقازان ، وقالت: "نُقدّر افتتاح هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أول مكتب خارجي لها في روسيا. فهذا يُجسّد عمق تعاوننا والثقة المتبادلة بيننا". من جانبه ربط رئيس البنك المركزي بشكل مباشر بين عمل المركز والفوائد الاقتصادية الملموسة قائلاً: "تُعدّ معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية لغةً مشتركةً مع المستثمرين من عشرات الدول. ولا شيء يُعزز الثقة المتبادلة مثل توحيد المناهج والتواصل الشخصي المستمر. وأنا على ثقة بأن هذا سيكون مفتاح جذب الاستثمارات طويلة الأجل التي تُركز على الأصول والمشاريع الحقيقية".


وكان رستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان، محور الحفل، إذ أشار إلى أن الجمهورية تعمل بجدٍّ ومنهجية منذ أكثر من 15 عاماً للوصول إلى هذه المرحلة، من خلال إنشاء بنية تحتية تعليمية وحلول تقنية معلوماتية. وأضاف مينيخانوف: "إن افتتاح المكتب التمثيلي ليس نهاية المطاف، بل هو البداية. فنحن نُرسّخ أساسًا حيويًا للقطاع بأكمله. وتتارستان، بوصفها مركزاً للأعمال والفكر، مُستعدة لتصبح مختبرًا حيًا ومنصةً لتبادل أفضل الممارسات مع جميع دول رابطة الدول المستقلة"، مشدداً على أهمية رأس المال البشري، ومؤكداً أن قيمة المركز تكمن في تدريب جيل جديد من المهنيين.

 

ثم أُلقيت كلمة ترحيبية من وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، قدمها وزير اقتصاد تتارستان مِدحة شجياخميتوف. وقد أوضحت الكلمة موقف الحكومة بوضوح: "يُعدّ تطوير التمويل بالشراكة أحد أهداف وزارة المالية الاستراتيجية". وربط سيلوانوف بشكل مباشر تمديد النظام التجريبي حتى سبتمبر 2028 بتوفير " التعريف التشريعي" للمستثمرين، واصفًا إياه بأنه أداة لتنويع ليس فقط القطاع المالي، بل الاقتصاد ككل.


واختتم الوزير حديثه قائلًا: "هذا يخلق فرصًا جديدة لملايين المواطنين الباحثين عن خدمات مالية تتوافق مع مبادئهم الأخلاقية".


وكان أبرز ما في الاجتماع، كلمة الشيخ إبراهيم بن خليفة آل خليفة، رئيس مجلس أمناء هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. فبعد كلمات شكر حارة على حسن الضيافة، التي "تُدفئ القلب رغم البرد"، انتقل إلى صلب الموضوع.


وأعلن الشيخ قائلًا: "اليوم، لا نفتتح مجرد مكتب، بل نزرع بذور منظومة تمويل إسلامي واسعة النطاق ستخدم تتارستان وروسيا وجميع دول رابطة الدول المستقلة". ثم شرح بالتفصيل خارطة الطريق: بدءًا من وضع خطة إقليمية مدتها خمس سنوات، وتقديم المساعدة في التنظيم ، وصولاً إلى تقديم الاستشارات للبنوك، وبرنامج تعليمي واسع النطاق بالتعاون مع الجامعات. لكن الرسالة الأساسية كانت الرؤية الاستراتيجية: "رؤيتنا الواضحة هي جعل رابطة الدول المستقلة نموذجًا يُحتذى به، ومعياراً لتطوير التمويل الإسلامي عالميا. ونسعى خلال عشر سنوات إلى أن نرى قازان ليس فقط مركزاً إقليمياً، بل بوابة تربط اقتصادات رابطة الدول المستقلة بشركائها في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا".


وقدّم أناتولي أكساكوف، رئيس لجنة الأسواق المالية في مجلس الـ دوما، رداً عملياً على هذه الطموحات، إذ أشار إلى القوانين المعتمدة، وأوضح أن لجنة متخصصة ضمن اتحاد البنوك الروسية تعمل حالياً على إعداد المسودة الأولى لمعيار وطني - وهو أداة الصكوك (سندات إسلامية قائمة على الأصول - ملاحظة المحرر).


وأضاف البرلماني: "الهدف الرئيسي هو إنشاء بنك إسلامي متكامل في روسيا. وتجري مفاوضات حالياً مع شركاتنا وشركائنا العرب. ونتوقع إنجاز هذا العمل العام المقبل"، وتقييمه للسوق يتحدث عن نفسه: الإمكانات الحالية لا تقل عن تريليون روبل، والهدف هو الوصول إلى 10 تريليونات في المستقبل المنظور.


وأضاف ممثلو هيئات المراقبة البنكية تفاصيل إضافية. أفاد أليكسي غوزنوف، عضو مجلس إدارة بنك روسيا، بأن 34 منظمة تشارك بالفعل في التجربة، وأن قانون هذا العام ينص على تهيئة الظروف اللازمة لوضع المعايير. وأكد قائلاً: "نعتزم، عند إعداد هذه المعايير، التركيز على أفضل الممارسات الدولية، ولا سيما معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. كما حظي المشروع بدعم من باكو، حيث وصف شاهين محمود زاده، المدير العام للبنك المركزي الأذربيجاني، افتتاح المركز بأنه "لحظة تأسيسية" ستشكل جسراً يربط بين المبادئ الدولية والممارسات المحلية في المنطقة بأسرها.


وبذلك، اكتسب الحوار بُعداً عملياً هاماً في كلمات الجهات التنظيمية ورجال الأعمال من دول رابطة الدول المستقلة. وتحول حوار الطاولة المستديرة في قازان إلى جلسة عمل لتنسيق الجهود في جميع أنحاء منطقة أوراسيا.


من جهته أكد بيكتور علييف، نائب رئيس البنك الوطني لجمهورية قيرغيزستان، على هذا التوجه العام قائلاً: "يشهد قطاع الصيرفة الإسلامية في جمهورية قيرغيزستان نمواً مطرداً، حيث تعمل حالياً ستة بنوك و11 مؤسسة مالية غير مصرفية وفقاً للمبادئ الإسلامية". وأشار إلى رقمٍ لافتٍ للنظر، إذ نما حجم هذا النوع من التمويل في البلاد بنسبة 91% منذ بداية العام، مُلفتاً إلى أن افتتاح مركز هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية سيُعطي دفعةً إضافيةً للخبرات الإقليمية في هذا المجال.


وشارك رينات كالييف، المدير الإقليمي لوكالة ائتمان الصادرات في كازاخستان، تجربة كازاخستان، مُعلقاً على الرؤية الاستراتيجية التي عبّر عنها الشيخ آل خليفة: "تُعد جمهورية تتارستان أحد أهم شركاء كازاخستان، ولذلك أصبحت قازان نقطة انطلاق تواجدنا في روسيا الاتحادية". شرح جوهر التمويل التشاركي كأداة للقطاع الحقيقي قائلاً: "ندعم حالات محددة: الإمدادات الغذائية، ومعاملات المعادن المدرفلة، ... وفي هذه القطاعات تحديداً تتجلى فعالية مبادئ التمويل التشاركي عمليا".


كما تحدث مظفر خوسنيدينوف، رئيس شركة ميزون الأوزبكية، عن المؤسسة - المعايير والكوادر. "بالنسبة لنا، تُعدّ هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية معياراً للجودة وبيئة عمل موحدة. وقد تُرجمت معايير الشريعة الإسلامية إلى اللغة الأوزبكية، ويعمل مركز امتحانات تابع للهيئة في أوزبكستان"، كما قام بمبادرة رمزية بالتبرع بتفسير للقرآن الكريم من عشرة مجلدات للمركز، مؤكداً على عمق الروابط الروحية والفكرية.


وفي تعليقه على العروض التقديمية، حوّل رئيس جمهورية تتارستان، رستم مينيخانوف، النقاش إلى مجال العمل التشريعي المحدد قائلاً: "من الصواب أن تكون تشريعاتنا ... متسقة إلى حد ما"، واقترح إنشاء جلسة منفصلة في منتدى قازان القادم لتنسيق المناهج بمشاركة خبراء من جميع دول رابطة الدول المستقلة.


وقال مينيخانوف : "إذا وحّدنا جهود جميع نوابنا لهذه المهمة، فسيكون لصوتنا صدىً واسع"، مشيراً إلى أن التمويل الإسلامي أداةٌ لتعزيز السيادة والتقارب مع العالم الإسلامي.

 

وتعقيباً على ذلك، أكد أليكسي غوزنوف، عضو مجلس إدارة بنك روسيا، استمرار الحوار مع زملائه من رابطة الدول المستقلة، وحدد نهجاً حذراً لكن متسقاً للهيئة التنظيمية: "التسرع قد يأتي بنتائج عكسية... نحتاج إلى المرور بمرحلة وضع المعايير"، كما أعرب عن أمله في أن تتمكن لجنة مجلس الـ دوما برئاسة أناتولي أكساكوف من تهيئة الظروف للانتقال من النظام التجريبي إلى نظام دائم.


أما النقطة الأخيرة، فقد خاطب الشيخ إبراهيم آل خليفة الحضور ليس فقط بصفته رئيساً لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، بل أيضاً كشريك يرى إمكانات هائلة غير مستغلة، وقال: "نحن لا نأتي إلى هنا لنعلمكم، بل نتعلم منكم. لديكم إمكانات فكرية هائلة". وكانت كلمته بمثابة كلمة وداع وتحذير في آنٍ واحد: "للنجاح ثمن".

للتقاعس ثمنه... وأسوأ ما في الأمر هو تفويت الفرصة. واستشهد بتتارستان نفسها كمثال يُحتذى به في أوراسيا، مشيراً إلى اكتفائها الذاتي وتطورها الصناعي ونموها الاقتصادي. واختتم الشيخ حديثه قائلاً: "اجعلوا من هذا مثالًا يُقتدى به لجميع إخوانكم ".


وسيكون المركز الجديد، كما ورد في الفيديو المعروض، منصةً لتطوير التمويل الإسلامي، تشمل التمويل التشاركي والمعايير والتجارة والتعليم، كما سيسهل جذب الاستثمارات الدولية. ويُعد افتتاحه في تتارستان نتيجةً منطقيةً لتنامي التعاون مع دول رابطة الدول المستقلة، التي تضم في عضويتها في هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية البنوك المركزية في روسيا وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان، فضلًا عن المؤتمر الدولي الأول للمنظمة، الذي سيُعقد في روسيا. وأكد أمير الموسى، مدير المركز، خلال إعلانه عن افتتاح المكتب التمثيلي، أن هذه الخطوة تُشكل مرحلةً جديدةً في تطوير التمويل الإسلامي، وتُهيئ منصةً هامةً لتعزيز التعاون المتبادل.

 

 

مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي"

الصورة: الموقع الرسمي لرئيس تتارستان